قصة الام التي ربت القلوب الفصل السادس6بقلم وفاء الدرع
✨🌸 حين انتصر التسامح 🌸✨
كانت أماني تجلس في بيت والدتها، لكن قلبها لم يكن هناك...
منذ أن أخبرتها قمر بمرض محمد، لم تهدأ لحظة واحدة.
كل ذكرى مرت أمام عينيها...
أول لقاء...
أول كلمة حب...
أول ضحكة جمعتهما...
وآخر يوم خرجت فيه من بيته وهي تبكي.
كانت تقول في نفسها:
"يا رب... بس أطمن عليه... حتى لو من بعيد."
استأذنت والدتها وأخاها، وخرجت مسرعة مع قمر.
طوال الطريق، لم تنطق بكلمة واحدة.
كانت تسبح، وتستغفر، وتدعو الله أن يخفف عنه الألم.
وصلت إلى البيت...
البيت الذي تركته منذ عشر سنوات.
وقفت أمام الباب، وشعرت أن قدميها لا تحملانها.
كل ركن فيه كان يحكي ذكرى.
تنهدت، ثم دخلت.
كان محمد نائمًا على الفراش، وقد غيّر المرض ملامحه.
جسده أصبح هزيلًا...
ووجهه شاحبًا...
لكن قلبه ظل كما هو.
اقتربت أماني بخطوات مرتجفة، وجلست بجواره، ومدت يدها تمسح على شعره برفق.
فتح عينيه ببطء...
نظر إليها للحظات، ثم ابتسم ابتسامة باهتة، وكأنه لا يصدق ما يرى.
قال بصوت ضعيف:
– "أماني... إنتِ بجد؟ ولا أنا بحلم؟"
لم تستطع الرد...
ارتمت على صدره تبكي، وهي تقول:
– "سامحني يا محمد... والله ما نسيتك يوم."
ضم يدها إلى صدره، وأغمض عينيه، وقال:
– "كنت عارف... إنك هترجعي. قلبي عمره ما فقد الأمل."
كانت قمر تقف عند الباب، والدموع تملأ عينيها.
شعرت لأول مرة أنها كانت سببًا في فراق قلبين أحبا بعضهما بصدق.
اقتربت منهما وقالت وهي تبكي:
– "سامحوني... والله ظلمتكم كتير. كنت فاكرة إن الحب بيتاخد بالعافية... لكن اتعلمت متأخر إن القلوب عمرها ما تتجبر."
قامت أماني واحتضنتها.
وقالت وهي تربت على ظهرها:
– "خلاص يا قمر... اللي فات مات. وربنا غفور رحيم، وإحنا أولى بالعفو."
بكت قمر أكثر وهي تقول:
– "إنتِ عمرك ما كنتِ ضرتي... إنتِ كنتِ أختي، وأنا اللي معرفتش قيمتك."
في اليوم التالي...
طلب أخو أماني أن يحضر المأذون.
نظر محمد إليها وقال بابتسامة ضعيفة:
– "معقول... هترجعي مراتي من تاني؟"
ابتسمت وهي تمسك يده:
– "أنا عمري ما خرجتك من قلبي يا محمد."
تم عقد القران من جديد...
ورغم أن المرض كان ينهش جسد محمد، إلا أن السعادة عادت إلى عينيه.
قال للطبيب في اليوم التالي وهو يبتسم:
– "أنا بقيت أحسن... أماني رجعت."
ابتسم الطبيب، لكنه كان يعلم أن السعادة قد تداوي الروح، لكنها لا توقف المرض.
ومع ذلك...
تحسنت نفسية محمد كثيرًا.
وأصبح يبتسم بعدما كان لا يعرف سوى الألم.
وكانت أماني لا تتركه لحظة.
تطعمه بيديها...
تعطيه دواءه...
وتقرأ له القرآن.
وإذا اشتد عليه الألم، كانت تمسك يده وتقول:
– "اصبر يا محمد... ربنا كريم."
فيبتسم رغم وجعه ويقول:
– "وجودك جنبي خفف عني نص المرض."
أما قمر...
فقد تغيرت تمامًا.
كانت كلما رأت أماني، شعرت بالخجل من نفسها.
وفي إحدى الليالي، جلست بجوارها وقالت:
– "عارفة يا أماني... أول مرة شوفتك فيها، غيرت منك. كنت شايفة إن محمد بيحبك أكتر مني. لكن النهارده عرفت ليه كان بيحبك... لأن قلبك عمره ما عرف الكراهية."
ابتسمت أماني وقالت:
– "كلنا بنغلط يا قمر... المهم نتعلم من غلطنا."
أمسكت قمر يدها وقالت:
– "سامحيني."
ردت أماني وهي تبتسم:
– "سامحتك من زمان... يمكن حتى قبل ما تطلبي السماح."
بكت قمر، وأخذت رأس أماني بين يديها، وقبّلتها، لأول مرة منذ سنوات.
لكن القدر...
لم يمهلهم كثيرًا.
في صباح أحد الأيام...
اشتد الألم على محمد بصورة لم يسبق لها مثيل.
بدأ يصرخ من شدة الوجع.
جرت أماني إليه، وهي تبكي:
– "استحمل يا محمد... الدكتور جاي."
اتصلت قمر بالطبيب، الذي حضر سريعًا.
دخل الغرفة...
وأغلق الباب.
بينما كانت أماني وقمر والأولاد يقفون في الخارج، وقلوبهم ترتجف.
مرت دقائق...
بدت وكأنها سنوات.
ثم خرج الطبيب، وعيناه ممتلئتان بالحزن.
خلع نظارته...
ووضع يده على كتف أماني...
ثم قال بصوت خافت:
– "البقاء لله..."
توقفت الدنيا في عينيها.
صرخت صرخة خرجت من أعماق قلبها:
– "محمد..."
وارتمت بجوار جسده، تمسك يده وتبكي بحرقة.
كانت تردد:
– "قمت من أجلي مرة... قوم المرة دي كمان... بالله عليك متسبنيش."
لكن محمد...
كان قد رحل إلى رحمة الله.
رحل بعدما عاد إليه أغلى إنسانة في حياته.
أما قمر...
فكانت تبكي هي الأخرى.
ليس فقط لأنها فقدت زوجها...
بل لأنها رأت أماني تفقد نصف روحها.
أما الولد والبنت...
فكانا يحتضنان أماني قبل أن يحتضنا أمهما.
وكأنهما يواسيان القلب الذي رباهما قبل أن يواسيَا نفسيهما.
مرت أيام العزاء ثقيلة...
وكان البيت كله يغرق في الصمت.
وفي صباح اليوم الرابع...
بدأت أماني تجمع ملابسها.
دخلت عليها قمر، وما إن رأت الحقيبة حتى جرت نحوها وأمسكت بها.
وقالت وهي تبكي:
– "رايحة فين يا أماني؟"
قالت بهدوء:
– "هارجع بيت أمي... خلاص، محمد ساب الدنيا."
احتضنتها قمر بقوة، وقالت وهي تنتحب:
– "لا... بالله عليكي متسيبنيش. أنا بقيت أخاف من البيت من غيرك. والأولاد بيحبوكي أكتر من أي حد. إنتِ مش مرات محمد وبس... إنتِ أمهم."
سكتت أماني، لكنها لم ترد.
اقتربت قمر أكثر، وقالت بصوت مرتجف:
– "أنا لازم أقولك سر... يمكن يكون آخر سر في حياتي..."
ثم نظرت إليها بعينين امتلأتا بالدموع، وقالت:
– "أنا كمان مريضة... والمرض اللي عندي ملوش علاج. الدكتور قالي إن أيامي في الدنيا بقت قليلة... وماقولتش لحد... حتى محمد مات وهو ميعرفش."
شهقت أماني، وشعرت أن الأرض تميد بها.
أمسكت وجه قمر بين يديها وقالت:
– "اسكتي... متقوليش كده. ربنا قادر على كل شيء."
لكن قمر هزت رأسها وقالت:
– "لو في حاجة مطمناني... فهي إن أولادي هيكونوا معاكِ. أوعديني... متحرميهمش من حضنك."
أخذتها أماني في حضنها، وهي تبكي كما لم تبكِ من قبل، وقالت:
– "أقسم بالله... من النهارده، هما أولادي قبل ما يكونوا أولادك. وهفضل سند ليهم طول ما فيا نفس."
وكان ذلك الوعد...
هو بداية فصل جديد من حياة أماني.
