قصة الام التي ربت القلوب الفصل السابع7والاخيربقلم وفاء الدرع
✨🌸 .. جبر الخواطر لا يضيع عند الله 🌸✨
مرت الأيام...
وكانت أماني تفي بوعدها حرفًا بحرف.
لم تترك قمر لحظة واحدة.
كانت تجلس بجوارها، تعطيها الدواء بيديها، وتطعمها، وتقرأ لها القرآن، وتدعو لها في كل صلاة.
أما قمر...
فكانت كل يوم تنظر إلى أماني، ويزداد يقينها أنها ظلمت إنسانة لم تعرف في حياتها سوى الخير.
وفي إحدى الليالي، أمسكت يد أماني وقالت بصوت ضعيف:
– "عارفة يا أماني... كنت زمان فاكرة إنك أخدتي جوزي مني... لكن النهارده فهمت إنك ادتيني عمر كامل من غير ما آخد بالي. إنتِ اللي ربيتي ولادي... وإنتِ اللي وقفتي جنبي وأنا تعبانة... ولو رجع بيا الزمن ألف مرة، كنت هعتبرك أختي من أول يوم."
ابتسمت أماني، ومسحت دموعها وقالت:
– "متفتحيش صفحة الوجع تاني يا قمر... ربنا غفور رحيم، وإحنا كلنا بنغلط. أهم حاجة إن قلوبنا تكون صافية."
بكت قمر وهي تردد:
– "ربنا يجازيكِ عني كل خير."
وبعد شهرين فقط...
رحلت قمر إلى رحمة الله.
ساد الحزن البيت مرة أخرى.
وقف الابن يبكي بحرقة، وأخته تبكي وهي تحتضن أماني، وكأنها تخشى أن تفقدها هي أيضًا.
أما أماني...
فكانت تمسح دموعهما، رغم أن قلبها كان ينزف.
قالت لهما وهي تحتضنهما:
– "من النهارده... أنا أمكم وأبوكم، ومش هسيبكم لحظة واحدة. أوعدكم إني هفضل جنبكم لحد آخر يوم في عمري."
احتضنها الولد وهو يبكي وقال:
– "إنتِ أصلًا أمنا يا ماما."
ورددت أخته من بين دموعها:
– "ربنا ما يحرمناش منك."
مرت السنوات...
وكانت أماني تستيقظ قبل الجميع.
تحضر الفطور.
توقظ الولد للجامعة.
وتجهز للبنت كتبها.
وتجلس معهما بالساعات، تشجعهما على المذاكرة، وتدعو لهما في كل سجدة.
كانت تقول دائمًا:
– "أنا نفسي أشوفكم في أعلى المناصب... وساعتها هحس إن تعبي في الدنيا ما راحش."
وبالفعل...
تخرج الابن من كلية الهندسة بتقدير امتياز.
وفي يوم التخرج، وقف يبحث بعينيه بين الحضور.
ثم نزل من على المنصة، وجرى نحو أماني، واحتضنها أمام الجميع.
ووضع الشهادة في يدها وقال:
– "الشهادة دي بتاعتك إنتِ... إنتِ اللي تعبتي علشان أوصل للي أنا فيه."
لم تتمالك أماني نفسها، وانفجرت في البكاء، وهي تردد:
– "الحمد لله... الحمد لله يا رب."
وبعدها حصل على وظيفة مرموقة في إحدى الشركات الكبرى.
وبعد عامين...
قال لها بابتسامة:
– "يا ماما... أنا اخترت بنت الحلال، ومش هكتب كتابي إلا وإنتِ جنبي."
فرحت أماني فرحة الأم بابنها.
واختارت له العروس بنفسها.
وكانت أول من استقبلها بالأحضان.
قالت لها العروس وهي تقبل يدها:
– "أنا اتحرمت من أمي وأنا صغيرة... بس ربنا عوضني بيكي."
احتضنتها أماني وقالت:
– "من النهارده... إنتِ بنتي."
وبعد أشهر قليلة...
تخرجت البنت من كلية الطب.
وقفت في حفل التخرج تنظر إلى أماني من بعيد.
ثم نزلت من المسرح، واحتضنتها وهي تقول أمام الجميع:
– "دي أمي... اللي علمتني إن النجاح يبدأ من الدعاء."
امتلأت عينا أماني بالدموع.
وشعرت لأول مرة أن الله عوضها عن كل دمعة بكتها.
وبعد فترة قصيرة...
تزوجت البنت، وسافرت مع زوجها إلى الإمارات، لكنها لم تكن تمر عليها ليلة إلا وتتصل بأماني لتطمئن عليها.
ومرت الأيام...
ورزق الله الابن بتوأم.
ولد وبنت.
ابتسم وهو يحمل الطفلة، وقال:
– "هسميها أماني."
ابتسمت أماني وهي تمسح على رأسه وقالت:
– "سميها قمر... دي أمك، وليها حق عليك."
ابتسم الابن وقبّل يدها وقال:
– "قمر أمي اللي ولدتني... لكن إنتِ أمي اللي ربتني. والاسم ده أقل حاجة أقدر أقدمها ليكي."
وبالفعل...
سماها أماني.
أما الولد، فسماه محمد، وفاءً لوالده.
عاشت أماني بينهم، تملأ البيت بالحب والحنان.
لكن مع تقدم العمر...
بدأ المرض يزورها.
وفي إحدى الليالي...
شعرت بدوار شديد، وسقطت على الفراش.
ما إن رآها الابن، حتى جرى يبحث عن الطبيب.
ولما كشف الطبيب عليها، قال:
– "عندها هبوط شديد... وتحتاج رعاية وراحة."
خرج الطبيب...
لكن الابن نظر إلى زوجته وقال بحزم:
– "أمي مش هتروح أي مكان... إحنا اللي هنخدمها."
ومن يومها...
لم تتركها زوجة الابن لحظة.
كانت تطعمها بيديها.
وتعطيها الدواء.
وتجلس بجوارها حتى تنام.
أما البنت...
فما إن علمت بمرضها، حتى حجزت أول طائرة، وعادت من الإمارات.
دخلت البيت، وارتمت في حضن أماني وهي تبكي:
– "سامحيني يا ماما... كان نفسي أكون جنبك."
ابتسمت أماني، رغم تعبها، وقالت:
– "وجودكم حواليا هو الدوا الحقيقي."
مرت أيام...
حتى بدأت صحتها تتحسن.
وفي صباح أحد الأيام...
دخل الابن عليها وهو يبتسم.
قالت باستغراب:
– "مالك يا حبيبي؟ شكلك مخبي حاجة."
قال وهو يناولها ظرفًا صغيرًا:
– "افتحيه."
فتحت الظرف...
لتجد بداخله جواز سفر، وأوراق رحلة إلى بيت الله الحرام.
تجمدت مكانها.
ثم انفجرت في البكاء.
قال الابن وهو يمسك يدها:
– "دي أقل هدية تستحقها أمي... ربنا كتبلك الحج، وكنت بدعي اليوم ده ييجي."
احتضنته وهي تبكي، وقالت:
– "ربنا يبارك فيكم... ويجبر بخاطركم، زي ما جبرتوا خاطري."
فقال لها وهو يقبّل رأسها:
– "إنتِ اللي جبرتي خاطرنا طول عمرنا... وإحنا مهما عملنا، مش هنوفيكي حقك."
وقالت البنت وهي تحتضنها:
– "إنتِ أعظم نعمة ربنا رزقنا بيها."
أما زوجة الابن، فقالت بابتسامة:
– "كلنا أولادك يا ماما."
سافرت أماني إلى الحج...
ووقفت أمام الكعبة، ورفعت يديها إلى السماء.
لم تطلب لنفسها شيئًا...
بل ظلت تدعو لأولادها، ولزوجها الراحل محمد، ولقمر، ولكل من مر في حياتها.
وعادت إلى بيتها، وقلبها مليء بالرضا والسكينة.
وأدركت أن الله لا يضيع أجر قلبٍ أحب، ولا يدًا امتدت بالخير، ولا دمعة صبرٍ احتسبها صاحبها عند ربه.
لقد حُرمت من طفل تنجبه...
لكن الله رزقها أسرة كاملة أحبتها بصدق.
وهكذا...
انتصر الحب على الكراهية.
وانتصر التسامح على القسوة.
وأثبتت أماني أن الأمومة ليست بالولادة فقط...
بل بالعطاء، والاحتواء، والرحمة.
تمت بحمد الله 🌸
