قصة الام التي ربت القلوب الفصل الخامس5بقلم وفاء الدرع
✨🌸 أصعب قرار 🌸✨
وقف محمد أمام أماني، وعيناه ممتلئتان بالدموع، وكأنه يرفض تصديق ما سمعه.
ظل ينظر إليها طويلًا، ثم قال بصوت مكسور:
– "إنتِ عايزة تسيبيني يا أماني؟ بعد العمر ده كله؟"
أطرقت أماني رأسها، ولم تستطع النظر في عينيه.
كانت تشعر أن كل كلمة ستقولها ستكسر قلبها قبل أن تكسر قلبه.
اقترب منها محمد، وأمسك يديها برفق وقال:
– "قوليلي عملت إيه غلط؟ زعلتك في إيه؟ والله لو غلطان هصلح غلطي، ولو قصرت في حقك هعوّضك، بس متقوليش كلمة الطلاق دي تاني."
لم تتمالك أماني نفسها، وانفجرت في البكاء.
هزّت رأسها وهي تقول وسط شهقاتها:
– "والله يا محمد، إنت عمرك ما زعلتني يوم... ولا شفت منك غير كل خير. لكني تعبت... تعبت من الخلافات اللي مبتخلصش، ومن الجو اللي بقينا عايشين فيه. بقيت كل يوم أنام مكسورة وأصحى مكسورة."
احتضنها محمد وهو يحاول أن يهدئها.
– "خلاص... هنلاقي حل. والله هنلاقي."
ابتعدت عنه وهي تمسح دموعها وقالت:
– "إيه الحل؟"
قال بسرعة وكأنه وجد طوق النجاة:
– "هجيب لك شقة تانية، تعيشي فيها مرتاحة، وأنا هفضل بينكم. هعدي عليك كل يوم، ومش هسيبك لحظة."
ابتسمت أماني ابتسامة حزينة وقالت:
– "وده ذنب الولاد؟ كل يوم هيفضلوا مستنيين أبوهم يروح وييجي؟ قمر مش هترضى، والمشاكل هتزيد. أنا مش عايزة أكون سبب في خراب بيت ولا حرمان أولاد من أبوهم."
ثم أمسكت يده بكلتا يديها، وقالت وهي تبكي بحرقة:
– "أرجوك يا محمد... لأول مرة أطلب منك حاجة لنفسي... طلقني."
نظر إليها وكأن روحه تُنتزع منه.
ظل صامتًا دقائق طويلة، ثم جلس على أقرب كرسي، ووضع وجهه بين كفيه.
كانت دموعه تنزل في صمت.
ولأول مرة منذ سنوات...
يشعر بالعجز.
وبعد أيام من المحاولات...
تأكد محمد أن أماني لن تتراجع.
وقف أمامها، وصوته يرتجف من شدة الألم.
– "سامحيني يا أماني... والله أنا بموت وأنا بعمل كده."
ثم نطق بكلمة الطلاق...
وفي اللحظة دي...
شعرت أماني وكأن الدنيا كلها سقطت فوق قلبها.
ورغم أن القرار كان قرارها...
إلا أن الوجع كان أكبر مما توقعت.
بكى الاثنان...
بكاءً طويلًا...
وكأنهما يودعان عمرًا كاملًا، وليس زواجًا فقط.
قبل أن تخرج...
أخرج محمد مبلغًا من المال ووضعه في يدها.
قالت بسرعة:
– "لأ يا محمد... مش هاخد حاجة."
ابتسم وهو يحاول إخفاء دموعه.
– "متكسريش خاطري. ده حقك... وأنا عارف إنك مش محتاجة فلوس، لكن محتاج إنك تقبليها علشان أحس إني عملت أقل واجب ليكي."
ردت وهي تبكي:
– "أنا خرجت من عندك ومعايا أغلى حاجة... احترامك وحبك."
قال بصوت مبحوح:
– "وإنتِ هتفضلي أغلى إنسانة دخلت حياتي."
أخذت المال حتى لا تجرح مشاعره، ثم حملت حقيبة صغيرة فيها بعض ملابسها.
وقبل أن تخرج...
وقفت تنظر إلى البيت.
كل ركن فيه كان يحمل ذكرى.
هنا ضحكت...
وهنا بكت...
وهنا حلمت أن يكون لها طفل يناديها "يا ماما".
خرجت وهي تمسح دموعها، بينما كان محمد واقفًا عند الباب، يراقبها حتى اختفت من آخر الشارع.
ولأول مرة...
شعر أن بيته أصبح خاليًا، رغم أن الجميع ما زالوا فيه.
عادت أماني إلى بيت والدتها.
كان والدها قد توفي، وأختها تزوجت، وأخوها أيضًا صار له بيت وأولاد.
استقبلتها أمها بالأحضان والدموع.
وقالت وهي تربت على رأسها:
– "الحمد لله إنك رجعتي في حضني يا بنتي."
ابتسمت أماني رغم وجعها، وحاولت تبدأ حياة جديدة.
وكان لأخيها طفلان صغيران...
ولد في الثالثة من عمره، وبنت في الرابعة.
ومن أول يوم...
تعلق الطفلان بها تعلقًا شديدًا.
كانت توقظهما صباحًا، وتلبسهما ملابس المدرسة، وتسرح شعر البنت وهي تضحك معها.
ثم تمسك بيديهما وتسير بهما حتى باب المدرسة.
وفي الظهيرة...
تذهب لتأخذهما بنفسها.
وتقضي بقية اليوم تذاكر لهما، وتحكي لهما القصص، وتلعب معهما.
وكانا يناديانها بكل حب:
– "تيتا أماني."
فتحتضنهما، وكأن الله يخفف عنها ألمًا قديمًا بحب طفلين جديدين.
أما زوجة أخيها...
فكانت تقول دائمًا:
– "وجودك نعمة في البيت يا أماني... ربنا يخليكي لينا."
أما محمد...
فلم يستطع أن ينساها.
كان يمر من وقت لآخر على بيت أهلها.
لا يدخل كثيرًا...
فقط يطمئن عليها.
يسأل أمها:
– "أماني عاملة إيه؟ صحتها كويسة؟"
فإذا عرف أنها بخير...
عاد وهو مطمئن قليلًا.
وكانت هي أيضًا، كلما سمعت صوته من بعيد، يضطرب قلبها...
لكنها كانت تكتفي بالدعاء له.
مرت السنوات...
عشر سنوات كاملة.
كبر خلالها أولاد قمر...
وكبر معهم الحنين في قلب محمد.
لكن الأيام كانت تخبئ مفاجأة قاسية.
ففي أحد الأيام...
شعر محمد بآلام شديدة لم تعد تُحتمل.
ذهب إلى الطبيب لإجراء الفحوصات.
وبعد أيام...
جلس الطبيب أمامه، وتنهد طويلًا قبل أن يقول:
– "للأسف... حضرتك مصاب بسرطان متأخر."
خرج محمد من العيادة...
يمشي بلا هدف.
لا يفكر في نفسه...
بل في أماني.
وفي البيت...
بدأت صحته تتدهور يومًا بعد يوم.
كان العلاج الكيماوي ينهك جسده.
حتى أصبح لا يقوى على الحركة.
وفي كل ليلة...
كان ينادي وهو بين النوم واليقظة:
– "أماني... أماني..."
كانت قمر تسمعه...
وتبكي بصمت.
ولأول مرة...
شعرت بحجم الظلم الذي فعلته بحق تلك المرأة.
وفي صباح أحد الأيام...
اتخذت قرارًا.
ذهبت بنفسها إلى بيت أماني.
وما إن فتحت أماني الباب، حتى فوجئت بقمر تبكي، ثم أمسكت يديها وقالت بصوت متقطع:
– "أماني... سامحيني. محمد حالته صعبة جدًا... عنده سرطان، والأطباء قالوا إن المرض متأخر. كل يوم بينادي باسمك... والله لو شفتيه هتعيطي عليه."
اتسعت عينا أماني، وشحب وجهها.
وقالت بصدمة:
– "محمد... عنده سرطان؟! ليه محدش بلغني؟!"
أجابت قمر وهي تمسح دموعها:
– "علشان بيحبك... وما كانش عايز يشيلك هم."
وضعت أماني يدها على قلبها، وقالت بصوت مرتجف:
– "خديني عنده... حالًا."
وفي تلك اللحظة...
لم تعد ترى أمامها إلا إنسانًا أحبته بصدق...
ويصارع المرض وحده.
