قصة الام التي ربت القلوب الفصل الرابع4بقلم وفاء الدرع


قصة الام التي ربت القلوب الفصل الرابع4بقلم وفاء الدرع

✨🌸... الأم التي لم تلد 🌸✨
مرت الأيام...
واستقبل البيت أول ضحكة طفل، فامتلأ بالمحبة والدفء. وبعد عامين، رزق الله قمر بطفلة جميلة، بيضاء الوجه، واسعة العينين، خطفت القلوب من أول نظرة.
كان محمد يحملها بين يديه، ينظر إليها بحب، ثم ابتسم وقال:
– "أنا نفسي أسميها أماني."
رفعت قمر رأسها بسرعة وقالت بانفعال:
– "لأ... دي بنتي أنا، وأنا اللي هسميها."
ابتسم محمد وقال بهدوء:
– "أماني تستحق إن اسمها يعيش بينا... هي صاحبة فضل كبير علينا كلنا."
لكن قمر أصرت على رأيها، وبعد نقاش طويل وافقت على مضض، وقالت:
– "خلاص... اسمها أماني، لكن أنا هدلعها موني."
كانت أماني واقفة تتابع الحوار والابتسامة لا تفارق وجهها، ثم حملت الطفلة الصغيرة وقبّلت جبينها وهي تهمس:
– "ربنا يحفظك يا حبيبتي... ويجعلك من الصالحات."
ومن يومها...
لم تفرّق أماني بين الطفلين أبدًا.
كانت تستيقظ قبل الجميع، تُعد لهما الطعام، وتجهز ملابسهما، وتحكي لهما الحكايات قبل النوم.
إذا بكى الولد، كانت أول من يجري إليه.
وإذا مرضت الصغيرة، كانت هي أول من يسهر بجوارها.
وفي إحدى الليالي...
ارتفعت حرارة "موني" بشدة.
بدأت تبكي بلا توقف، وقمر وقفت مرتبكة لا تعرف ماذا تفعل.
أما أماني، فأخذتها بين ذراعيها بسرعة، ووضعت الكمادات على جبينها، وظلت تدعو لها وهي تمسح على شعرها.
كانت تهمس وهي تبكي:
– "يا رب... اشفها، وخد من صحتي وادّيهالها، بس متشوفنيش فيها مكروه."
وظلت مستيقظة طوال الليل.
لم يغمض لها جفن.
كل دقيقة تقيس حرارتها، وتبدل الكمادات، وتقرأ ما تحفظه من القرآن، حتى بدأ جسم الصغيرة يهدأ مع أذان الفجر.
تنفست أماني الصعداء، وحمدت الله، ثم قبّلت رأسها وهي تقول:
– "الحمد لله... رجعتي تضحكي تاني."
وقف محمد يتابع المشهد، ثم نظر إلى أماني وقال بتأثر:
– "والله يا أماني... عمري ما شوفت أم تخاف على ولادها بالشكل ده."
ابتسمت وهي تمسح دموعها وقالت:
– "يمكن ربنا ما رزقنيش بالخلفة... لكنه رزقني حبهم."
مرت السنوات...
وأصبح الولد في الثامنة من عمره، وأصبحت موني في السادسة.
وكان المشهد يتكرر كل صباح.
الأطفال لا يتحركون من البيت قبل أن يقبلوا يد أماني ويحضنوها.
بل إنهما كانا يجريان إليها أولًا قبل أمهما.
كان الولد يدخل عليها وهو يضحك:
– "يا ماما أماني... فين الفطار؟"
فتضحك وترد:
– "تعالى يا قلب ماما... كله جاهز."
أما الصغيرة، فكانت تتعلق برقبتها وتقول بدلال:
– "أنا مش هروح المدرسة غير لما تبوسيّني."
فتحتضنها أماني بقوة، وتقبلها من وجنتيها، ثم تمسك يدها حتى باب المدرسة.
كانت تذاكر لهما الدروس.
وتحضر اجتماعات المدرسة.
وتحتفل بنجاحهما.
وتفرح بأي كلمة مدح يسمعها المدرسون عنهما.
حتى إن بعض المدرسات كنّ يعتقدن أن أماني هي أمهما الحقيقية.
لكن...
كل هذا الحب كان يحرق قلب قمر.
كانت ترى ابنيها يجريان إلى أماني، بينما هي تقف بعيدة.
كانت تغار...
وتشعر أن مكانتها كأم تهتز يومًا بعد يوم.
وفي إحدى المرات، دخل الولد البيت وهو يجري وهو ينادي:
– "ماما... ماما..."
ابتسمت قمر وقالت:
– "تعالى يا حبيبي."
لكنه مر بجوارها، وركض إلى غرفة أماني، وألقى بنفسه في حضنها.
وقال وهو يضحك:
– "وحشتيني يا ماما."
في تلك اللحظة...
شعرت قمر وكأن شيئًا انكسر بداخلها.
ومن يومها...
بدأت المشاكل تكبر.
كانت تمنع الأطفال من الجلوس مع أماني.
وتصرخ في وجوههم إذا نادوها "ماما".
وأحيانًا كانت تأخذهم إلى غرفتها بالقوة.
لكن الأطفال كانوا يعودون إليها بمجرد أن تهدأ.
وفي مساء أحد الأيام...
دخل الولد على والده وهو يبكي.
قال محمد بفزع:
– "مالك يا حبيبي؟"
قال الطفل وهو يمسح دموعه:
– "ماما قمر زعقت لنا علشان قعدنا مع ماما أماني... وقالت متقربوش منها تاني."
وبعده مباشرة دخلت الصغيرة وهي تبكي هي الأخرى.
تنهد محمد، ونادى على قمر.
خرجت وهي متجهمة.
قال لها بهدوء:
– "إيه اللي بيحصل ده؟"
قالت بعصبية:
– "أنا أمهم... ومن حقي يفضلوا معايا."
رد محمد:
– "وأماني عمرها خطفتهم منك... هي بس حبتهم، وربتهم بحنان. بدل ما تشكريها، بتحاربيها؟"
قالت وهي تنظر بعيدًا:
– "أنا مش مستحملة إنهم يحبوها أكتر مني."
رد محمد بحزم:
– "الحب عمره ما بيتفرض... الأطفال بيروحوا للي بيحسوا بالأمان معاه."
لم ترد قمر...
واكتفت بالدخول إلى غرفتها وهي تخفي دموعها.
أما أماني...
فكانت تسمع كل شيء من خلف الباب.
جلست على سريرها تبكي في صمت.
دخل عليها محمد، وجلس بجوارها، ثم أمسك يدها وقال:
– "متزعليش... أنا عارف إنك مظلومة."
قالت وهي تمسح دموعها:
– "أنا آخر واحدة ممكن أزعل من قمر... هي أم، وحقها تخاف على أولادها."
نظر إليها بإعجاب وقال:
– "إنتِ قلبك كبير أوي يا أماني."
ابتسمت ابتسامة حزينة وقالت:
– "كل اللي نفسي فيه... إن البيت يفضل هادي."
لكنها كانت تعرف...
أن الهدوء لم يعد موجودًا.
فكل يوم مشكلة...
وكل يوم اتهام جديد...
وكل يوم كلمة تجرح قلبها.
كانت تتحمل...
وتصبر...
وتسامح...
حتى جاء اليوم الذي شعرت فيه أن روحها لم تعد تحتمل.
وقفت أمام محمد، والدموع تملأ عينيها، وقالت بصوت مكسور:
– "يا محمد... أنا عايزة الطلاق."
تجمّد في مكانه، وكأن الزمن توقف.
نظر إليها طويلًا، ثم قال بصوت مرتجف:
– "إنتِ بتقولي إيه؟"
قالت وهي تبكي:
– "تعبت... والله تعبت. أنا مش قادرة أكمل بالشكل ده."
اقترب منها وقال والدموع تلمع في عينيه:
– "أسيبك إزاي؟! إنتِ عمرك ما كنتِ مجرد زوجة... إنتِ روحي، وسندي، وكل حياتي. أنا ما كنتش عايز أتجوز غيرك أصلًا."
لكن أماني أغمضت عينيها، وقالت بصوت مخنوق:
– "علشان خاطري يا محمد... سيبني أمشي قبل ما قلبي ينكسر أكتر."
وساد الصمت...
صمت كان أثقل من أي كلام.

                الفصل الخامس من هنا
تعليقات