قصة الام التي ربت القلوب الفصل الثاني2بقلم وفاء الدرع


قصة الام التي ربت القلوب الفصل الثاني2بقلم وفاء الدرع

كانت الشمس لسه بتبعت أول خيوطها على الحي الشعبي الصغير، والناس بدأت تفتح أبواب بيوتها، وكل واحد رايح يجرى ورا لقمة عيشه.
لكن كان فيه بيت بسيط، متواضع، مليان بالرضا رغم ضيق الحال...
في البيت ده كانت عايشة أماني...
بنت في عمر الزهور، جميلة الملامح، هادية الطباع، وابتسامتها كانت كفاية تغيّر مزاج أي حد يشوفها.
الغريب إن كل أهل المنطقة كانوا بيحبوها.
مش علشان جمالها...
ولا علشان كلامها الحلو بس...
لكن علشان قلبها.
القلب اللي عمره ما اتأخر عن مساعدة حد.
لو سمعت إن جار تعبان، كانت أول واحدة تروح تطمن عليه.
ولو شافت طفل بيعيط، كانت تقعد تضحكه كأنه أخوها الصغير.
ولو عرفت إن حد محتاج حاجة، كانت تحاول تساعده حتى لو على حساب نفسها.
كان جنب بيتهم بيت صغير جدًا، عايشة فيه ست عجوز، لا زوج، ولا أولاد، ولا حتى قريب يفتح عليها الباب.
كل يوم...
قبل ما أماني تبدأ أي شغل في بيتها، كانت تمسك صينية صغيرة وتحط عليها أكل أو كوب شاي، وتروح تخبط على باب الست.
فترد عليها العجوز بابتسامة كلها حنان:
– «تعالي يا بنتي... ربنا يرضى عنك.»
كانت أماني تدخل بسرعة، تنظف البيت، وترتب السرير، وتغسل لها المواعين، وتسألها بابتسامة:
– «محتاجة حاجة يا خالتي؟ والله لو عايزة عيني هديهالك.»
فتبتسم العجوز، وتمسك إيديها وتقول وهي تبص في وشها:
– «يا بنتي... ربنا محبب فيكي خلقه. عمري ما شوفت حد بيعمل الخير بالفرحة دي. ربنا يجبر بخاطرك زي ما بتجبري بخاطر الناس.»
فتبتسم أماني بخجل وترد:
– «أنا معملتش حاجة يا خالتي... ده واجب.»
فتقول العجوز وهي رافعة إيديها للسما:
– «لأ... ده مش واجب. فيه ناس عندها الخير وما بتعملوش... وإنتِ معندكيش غير قلبك، وبتدي منه للكل. ربنا هيعوضك خير يا بنتي... وهيبعتلك أيام تفرحي فيها.»
كانت أماني تسمع الدعوة، وتبتسم، من غير ما تعرف إن ربنا خبّى لها أيام هتحتاج فيها كل دعوة خرجت من قلب الست دي.
...
أما بيت أماني...
فكان الحال فيه على قد الحال.
والدها رجل مريض، بالكاد يقدر يشتغل، وكل دخل البيت معاش بسيط بيكفيهم بالعافية.
أمها ست بسيطة، راضية بكل اللي ربنا كاتبه.
وعندها أخت صغيرة وأخ أصغر منها، ولسه قدامهم مستقبل طويل.
ورغم إن أماني كانت متفوقة في دراستها، وكانت نفسها تكمل تعليمها، إلا إن الظروف كانت أقوى من أحلامها.
كانت نفسها تشتغل...
تساعد أبوها...
وتخفف عنه الحمل.
لكن كل مرة كانت تفتح الموضوع، كان أبوها يرفض.
وفي يوم قالت له بهدوء:
– «يا بابا... سيبني أشتغل. والله هساعدك، وإنت تعبت كتير.»
بصلها بحنان وقال:
– «لا يا بنتي... أنا مقدرش أرميكي في الشغل وتتعرضي لمواقف تضايقك. طول ما أنا عايش، مش هسمح بده.»
ابتسمت وهي مخبية دموعها...
كانت نفسها تحقق حلمها...
لكن رضا أبوها كان عندها أهم من أي حاجة.
...
وفي مساء أحد الأيام...
رجع الأب من بره، وكان باين على وشه إنه بيفكر في حاجة كبيرة.
دخل البيت، وقعد بصمت شوية.
أماني قربت منه وقالت بابتسامة:
– «مالك يا بابا؟ شكلك مهموم.»
رفع عينه وبصلها بحنان وقال:
– «اقعدي يا أماني... عايز أتكلم معاكي.»
قعدت قدامه وهي مستغربة.
قال بعد تنهيدة طويلة:
– «يا بنتي... جالك عريس.»
اتفاجئت أماني، واتسعت عينيها من الدهشة.
– «عريس؟!»
هز رأسه وقال:
– «أيوه... راجل محترم، وجاهز من كل حاجة. وهيجهزك من الألف للياء.»
سكتت لحظة، وبعدين قالت باستغراب:
– «بس يا بابا... أنا حتى معرفوش! هو كده جواز وخلاص؟»
تنهد الأب وقال بصوت مليان وجع:
– «إنتِ عارفة ظروفنا يا بنتي... والله نفسي أعملك فرح يليق بيكي، وأجيبلك كل اللي تتمنيه... لكن إيدي قصيرة.»
أمسكت يده بسرعة وقالت:
– «متقولش كده يا بابا... وجودك عندي بالدنيا.»
ابتسم رغم الدموع اللي لمعت في عينه.
وقال:
– «العريس ده راجل محترم... وحالته المادية كويسة، وقال إنه هيجيبلك كل اللي نفسك فيه.»
سكتت شوية، وبعدين قالت وهي بتحاول تعرف:
– «طيب... هو مين؟»
ابتسم الأب وقال:
– «إنتِ تعرفيه كويس...»
زادت حيرتها.
– «مين؟»
قال بهدوء:
– «الأسطى محمد... صاحب ورشة الدوكو اللي على أول الشارع.»
وكأن الزمن وقف للحظة...
شهقت أماني، وبصت لأبوها بعدم تصديق.
– «الأسطى محمد؟!»
– «أيوه.»
قالتها وهي مترددة:
– «بس... يا بابا... ده أكبر مني بسنين كتير.»
هز الأب رأسه وقال:
– «عارف يا بنتي... بينك وبينه حوالي خمستاشر سنة. لكن والله ما لقيت راجل في أخلاقه. بيحبك، وهيصونك، وهيحطك في عينه.»
سكت لحظة، ثم أكمل بصوت مكسور:
– «وأنا... والله يا أماني... مستحيل أجبرك على حاجة. لكني مطمن عليه... ولو هسيبك لحد، مش هسيبك إلا لراجل يخاف عليكي.»
نزلت أماني برأسها للأرض...
وقلبها كان بيتخانق بين حلمها اللي كانت نفسها تعيشه...
وبين خوفها من المستقبل...
وبين حبها لأبوها، وعلمها إنه ما قالش الكلام ده إلا لأنه فعلًا عاجز عن تجهيزها.
خرجت من الأوضة، وقعدت لوحدها في ركن بعيد.
كانت تبص للسما وهي بتهمس:
"يا رب... لو كان الخير في الجوازة دي، قرّبها لقلبي... ولو فيها شر، اصرفها عني برحمتك."
ولأول مرة في حياتها...
كانت أماني واقفة على باب قرار هيغيّر عمرها كله...
قرار مش هيغيّر أيامها بس...
ده هيغيّر مصيرها بالكامل.

                 الفصل الثالث من هنا
تعليقات