رواية زوجتي العمياء الفصل الاول1 بقلم زينب سعيد

رواية زوجتي العمياء الفصل الاول1 بقلم زينب سعيد 
شاب واقف قدام والده بيتكلم بعصبية شديدة ولهجة صعيدية:
وه بتجول إيه يا بوي ؟! رايدني أتجوز واحدة عامية؟!

عثمان بعصبية:
مين جال أنها عامية بس يا ولدي؟!

سالم:
وه مش إنتَ اللي بتجول إنها عندها عين مفخوتة يعني علمية.

عثمان:
اسمها بتشوف بعين واحدة يا ولدي.

سالم:
وأنا إيه يچبرني أتچوز واحد بعين واحدة أنا ألف بنت تتمناني.

عثمان:
دي بنت زينة يا ولدي وأعرفها زين كمان.

سالم خبط يده في النخلة اللي واجفة جباله وهو بينفخ بنار جايدة في صدره، وعيونه بتلمع بالرفض القاطع.

سالم:
يا بوي، افهمني بالله عليك! عاد أنا سالم ولد عثمان، اللي البنات في النجع كله بيتحاكوا بطوله وعرضه، أروح في الآخر أتجوز واحدة ناقصة؟ الناس تجول عليا إيه؟ جالوا مالجاش في الورد عيب جالوا يا أحمر الخدين؟ لا يا بوي، أنا رايد واحدة كاملة مكملة، تملى عيني وتفتح نفسي، مش واحدة أقعد أدلها على الطريق واخد بـيدها وهي ماشية!

عثمان قرب منه وهدى صوته بس بحزم:
اسمع يا ولد، الزين مش في الشكل وبس، الزين في الأصل والمعدن البنية دي زينة اسم على مسمى، أبوها الله يرحمه كان صاحبي ورفيق عمري، وصاني عليها قبل ما يموت وعينها اللي جلت عليها دي، راحت وهي بتنقذ أخوها الصغير من حريقة، يعني عين راحت في شجاعة وفدا، مش عيب ولا وراثة دي ست البنات، وأدبها يوزن بلد.

سالم بضحكة استهزاء مريرة:
شجاعة إيه وفدا إيه يا بوي؟ إحنا في زمن اللي بيمشي فيه عدل بيتحسد، فما بالك بواحدة بظروفها دي؟ بكره العيال في النجع يفضلوا يتغمزوا ويتلمزوا، ويجولوا أهو سالم أتجوز العمشة أنا مش حمل الحديت ده، ولا حمل كسرة النفس دي  أنا رايد واحدة نتباهى بيها في الأفراح والمناسبات، مش واحدة أخبيها من عيون الناس!

عثمان اتبدلت نبرته لغضب مكتوم:
اتقي الله يا سالم! العمشة دي اللي بتتكلم عنها، بتغزل الصوف وتخيط وتطبخ وتعمل اللي ميت واحدة مفتحة ما تعرفش تعمله والناس اللي بتعملهم حساب، لو عرفوا أصلها ومعدنها هيبوسوا يدك إنك خدتها وبعدين يا ولدي، الجمال بيروح، والعين ممكن تضعف مع الزمن، لكن الحنية والأصل هما اللي بيفضلوا. عاد إنتَ كبرت وهتخليني أندم إني ربيتك على العز ونسيت أربيك على الأصول؟

سالم لف وشه الناحية التانية:
الأصول يا بوي بتقول إن الراجل يختار اللي تليق بيه. وأنا شايف إنها ما تليقش بيا إنتَ بتجبرني ليه؟ عشان خاطر وصية؟ طب وأنا؟ ذنبي إيه أعيش عمري كله حاسس إن في شي ناقص في داري؟ يا بوي، الجواز مودة ورحمة، وأنا قلبي مش طاوعني، ونفسي مسدودة من جبل ما أشوفها حتى.

عثمان حط يده على كتف سالم وضغط عليها بقوة:
بص لي يا سالم يا ولدي الدنيا دي ساقية، النهاردة إنتَ بصحتك وعافيك، وبكرة ماتعرفش مخبي لك إيه البنت دي بركة، والدار اللي هتدخلها هيملى فيها الخير أنا مش بجبرك كدا وخلاص، أنا خايف عليك من بنات اليومين دول اللي عيونهم لبرة وما يملى عينهم إلا التراب زينة هتحفظك وتصون عرضك وتكون لك عمود في الدار فكر يا ولدي، فكر بقلبك مش بعينك.

سالم بنبرة هديت شوية بس لسه فيها عند:
حتى لو وافقت يا بوي، هبص في وشها إزاي؟ هقدر أحبها؟ هقدر أنسى إنها بتشوفني بنص شوفة؟ الجواز ده مش يوم ولا اتنين، ده عمر وأنا مش عاوز أظلمها معايا، لأني لو خدتها وأنا مش رايدها، هكسر قلبها، وكسرة القلب أصعب من فقد العين.

عثمان اتنهد بوجع:
لو شفتها يا سالم، لو بس جعدت معاها وسمعت حديتها، هتعرف إن ربنا عوضها بنور في قلبها يغطي على أي حاجة تانية البنت وافقت يا ولدي لما عرفت إنك العريس، جالت سالم ولد عثمان راجل وسيد الرجالة، هي شافت فيك الراجل اللي يحميها، وأنتَ شايف فيها العيب اللي يعيبك شتان بين نظرتك ونظرتها يا ولدي.

سالم سكت شوية والسكوت طال، وهو بيبص للأرض:
يعني خلاص يا بوي؟ جفلت في وشي كل الأبواب؟ مفيش مفر من الجوازة دي؟

عثمان:
المفر هو إنك تروح بكره معايا، لو قلبك ما ارتاحش، أنا مش هغصبك، بس اعطي لنفسك فرصة تشوف النور اللي بتكلمك عنه ها جلت إيه؟

سالم بضيق وهو بيمسح وشه:
ماشي يا بوي، هروح معاك، بس لو محصلش نصيب، ما تلومنيش واعرف إن ده كان آخري.
……..
بعد مرور نصف ساعة سالم جالس فوق عنتر، الحصان الأدهم اللي الكل بيخاف يربي عينه في عينه، وماشي بيه في وسط الطريق والتراب بيعفر وراه، وصوت حوافره على الأرض زي دقات الطبول في ليلة عرس، سالم كان شادد اللجام بقوة، وجسمه مفرود بزهو وكبرياء، وعيونه بترمى شرار، كأنه ملك الغابة اللي مفيش حد يقدر يصد طریقه.

في اللحظة دي، كانت زينة معدية الشارع وهي شايلة المقطف الخوص ومغطية نص وشها بطرف طرحتها كانت ماشية في حالها، متعودة إن الكل بيوسع لها الطريق لما يشوفوا هيبتها الهادية، لكن سالم النهاردة كان دمه محروق من عركة في الغيط ومكانش شايف قدامه.

سالم بصوت رعدي وهو بيشد اللجام عشان الحصان يصهل في وشها وهو ميعرفهاش لسه:
وه! وسعي يا بنية من الطريق! أنتِ عامية ولا إيه؟ الحصان كان هيدوسك في التراب.

زينة اتفاجأت، والحصان كان قريب منها لدرجة إنها حست بنَفَسه الحامي على وشها مالت بجسمها لورا شوية، وثبتت رجلها في الأرض بقوة، ورفعت راسها وبصت لسالم بعينها السليمة اللي فيها لمعة ذكاء وتحدي غريبة.

زينة بثبات عجيب وصوت مسموع:
الأعمى يا ولد عمي هو اللي مش شايف إن الطريق ملك للكل، مش للي راكب حصان وبس. أنا ماشية في عدلي، وأنتَ اللي طالع كأنك بتهد في جبل.

سالم ضحك باستهزاء وهو بيبص لها من فوق حصانه:
ولد عمك؟ أنتِ تعرفيني عشان تجولي يا ولد عمي؟ وبعدين براقب طريقي إيه؟ أنتِ شايفة نفسك؟ واحدة بـ عين واحدة وعاوزة تجادلني في الطريق؟ دي نكتة الموسم دي!

زينة سكتت لحظة، والكلمة نزلت على جلبها زي النار، بس ملامحها متغيرتش، حطت المقطف على الأرض ببرود، وقفت بكل طولها قدامه، ورفعت وشها لوشه وهو فوق الحصان.

زينة:
العين اللي راحت دي راحت وأنا بنقذ روح من نار جايدة هي وسام شرف على وشي، مش عيبة تخليني أوطي راسي لكن النقص الحقيقي هو في القلب اللي مبيشوفش غير نفسه، وفي اللسان اللي بيفكر إنه طويل وهو في الحقيقة عاجز عن الحديت الزين أنتَ فاكر إنك بالحصان ده ملكت الدنيا؟ أنتَ مجرد واحد مغرور، والنقص اللي بتعايرني بيه، هو اللي مالي كيانك من جوه.

سالم اتصدم، الكلمات نزلت عليه كأنها طلقات رصاص مكنش متوقع إن بنت في النجع كله تتجرأ وترد عليه كدة، وتواجهه بحقيقته وهي باصة في عينه.

سالم بعصبية وهو بيحاول يحرك الحصان حواليها:
أسمعيني يا بنية إياكِ تتكلمي معايا بالأسلوب ده تاني! أنا سالم ولد عثمان، وكلامي بيمشي على الكبير قبل الصغير أنتِ فاكرة نفسك مين عشان تعطيني دروس في الأدب؟

زينة بصت له نظرة أخيرة فيها شفقة:
أنا زينة زينة اللي ميهزهاش لا حصانك ولا كبريائك أنا اللي بعرف قيمتي زين، ومش مستنية واحد زيك يحدد لي طريقي فكر يا سالم، فكر وأنتَ فوق حصانك، مين فينا اللي فعلاً '
مش شايف.

زينة وطت وخدت المقطف بتاعها، ومشت بكل هدوء وثقة من غير ما تبص وراها سالم فضل واقف بالحصان في نص الطريق، حاسس بضيق في صدره لأول مرة، بص لضهرها وهي ماشية، وحس إن الكبرياء اللي كان حاسس بيه اتبخر قدام قوة البنت دي.

الحصان صهل وخبط برجليه في الأرض، لكن سالم كان سرحان، بيفكر في كلمتها مين فينا اللي فعلاً مش شايف؟

 لأول مرة، سالم حس إن طوله فوق الحصان ملوش قيمة قدام نظرة البنت دي اللي بعين واحدة نزل من على الحصان ومشى بيه وهو شادد اللجام، بس المرة دي كان حاسس إن الحصان هو اللي شايله، مش هو اللي سايقه.
……..
دخل عثمان الدار وجسمه مهدود من حديته مع سالم، رمى شاله على الكنبة الخشب وقعد يتنهد بصوت عالي طلعت 
ستيتة أم سالم من المطبخ وهي بتمسح يدها في مريلتها، وعيونها كانت بتراقب جوزها بقلق، وعارفة إن الحديت بينه وبين ولده مكنش واصل لبر أمان.

ستيتة بقلق:
ها يا عثمان؟ عملت إيه مع الواد سالم؟ هديت ناره ولا لساته راكب راسه وعاصي الحديت؟

عثمان وهو بيعدل عدلته:
والله يا ستيتة، ولدك ده راسه أنشف من حجر الجبل شايف إن زينة بنت أصول بس عيبها في عينها، وعمال يچول يمين وشمال، وخايف من كلام الناس وغمرزهم. الواد مش شايف غير القشور، وناسي إن المعدن هو اللي بيعيش.

ستيتة قعدت جباله وشبكت صوابعها بأسى:
يا عثمان، اللوم مش عليه بس، سالم لساته شباب، والشباب اليومين دول عينهم فارغة ورايدين الزينة اللي تبرق من برة إنتَ عارف إن البت زينة مفيش في أدبها، بس خيرة شباب النجع بيبصوا للجمال المكمل إحنا مش عاوزين نظلم البت معانا، ولا نظلم ولدنا بزيجة يكون فيها مجبور.

عثمان بحدة:
مجبور إيه يا ستيتة؟ إحنا هنرميه في النار؟ دي زينة! إنتِ عارفة أبوها كان إيه بالنسبة لي، ووصيته دي دين في رقبتي ليوم الدين. وبعدين البت ست بيت وشاطرة وقلبها أبيض زي الحليب هو سالم فاكر إن الجواز فستان مزركش ووش منور؟ الجواز شيل حمول، ومين هيشيل حمول سالم غير واحدة شافت الوجع وعرفت قيمة السند؟

ستيتة تنهدت وكملت بحنان:
عارفة يا أخويا، والله عارفة. بس سالم خايف من النقص بيجول إزاي أدخل بيها الأفراح والناس تشاور عليها؟ الواد كرامته عنده فوق كل شيء، وهو شايف إن عروسته لازم تكون كاملة عشان تليق بمقامه وسط الرجالة. 

عثمان (ضرب كف بكف):
جولت له يا ستيتة، بس هو سادد ودانه بيجول لي أنا ألف بنت تتمناني. الغرور مالي قلبه، وناسي إن ربنا هو اللي بيعطي وهو اللي بياخد أنا خايف عليه من واحدة جميلة اللسان والوش، بس قلبها حجر، تسوده عيشته وتنشف ريقه زينة لو دخلت الدار دي، هتنورها بحنيتها، وعينها اللي ناقصة دي هتشوف بيها اللي عيونه الاتنين مش شايفينه.

ستيتة بصت للأرض شوية:
طب والعمل؟ هتعمل إيه لو فضل على حاله ده؟ سالم مش صغير، ولو عاند زيادة، الحكاية هتتطور وخوفك ليطفش من البلد كلها.

عثمان بعزم:
اتفقت معاه يروح يشوفها بكره جلت له اقعد معاها، واسمع منها لو ربنا فتح على قلبه وشاف اللي أنا شايفه، يبقى كرم من عنديه ولو فضل غاوي عمى القلب، يبقى أنا عملت اللي عليا قدام ربنا وقدام صاحب عمري الله يرحمه بس إنتِ يا ستيتة، لازم تتكلمي معاه، الأم حديتها بيمس القلب، عرفيه إن الجمال جمال الروح، وإن الستر في الدنيا مبيجيش بالوشوش المدهونة.

ستيتة قامت وهي بتعدل شالها:
هتكلم معاه يا عثمان، والله لهتكلم معاه بس ادعي إن ربنا يلين قلبه زينة بنتنا، وما نرضاش ليها بكسرة النفس لو سالم مش هيعرف جول قدرها، يبقى بلاش منها الجوازة دي، عشان هي غالية، والغالي ما يترميش للي ما يعرفش تمنه.

عثمان بص لها بإعجاب:
عفارم عليكي يا ستيتة، ده الحديت الزين أنا هقوم أصلي ركعتين لله، لعل وعسى ربنا يهدي العاصي ويصلح الحال بكره يوم كبير، وإما يخرج منه سالم راجل عارف قيمة الجوهرة اللي في يده، أو يفضل عيل بيدور على القشور.
…….
في بيت بسيط مبني من الطوب اللبن، كانت زينة قاعدة في ركن الأوضة، نور الشمس الضعيف داخل من الشباك الصغير وجاي على نص وشها الصافي. كانت بتخيط توب بمهارة غريبة كأن صوابعها هي اللي بتشوف مش عيونها. دخلت عليها أمها نبوية وهي شايلة صينية عليها كبايتين شاي، وفي عيونها نظرة فرحة مخلوطة بخوف ولهفة.

نبوية بصوت حنين ومتردد:
يا زينة يا بنتي، سيبي اللي في يدك ده وتعالي جربي مني شوية عوزاكي في حديت واصل لعمج الجلب، ومكتوب علينا نسمعه النهاردة.

زينة رفعت راسها بابتسامة هادية، وعينها السليمة فيها رضا:
خير يا أماي؟ وشك بيقول إن في خبر وراه بحور اجعدي يا ست الكل واريحي، أنا سامعاكي بجلبي قبل ودني.

نبوية حطت الصينية وقعدت جنبها، ومسكت يدها:
النهاردة الصبح، عمك عثمان كلم عمك جال إن ولده سالم رايد يجي يطلب يدك بكره سالم يا زينة سيد شباب النجع، وطول عمرنا بنجول عليه راجل ولد راجل.

زينة سكتت فجأة، والابتسامة اختفت وحل محلها هدوء غريب:
سالم يا أماي؟ سالم اللي النجع كله بيحكي بجماله وعزه؟ إيه اللي رماه على واحدة زيي؟ إحنا عارفين وسامعين، سالم رايد 'ست الحسن' اللي مفيهاش خربوش، وأنا أنا زي ما إنتِ شايفة، نصي نور ونصي التاني ضلمة.

نبوية بحدة ممزوجة بحب:
إياكي تجولي كدة! إنتِ نور الدار دي كلها، والضلمة اللي بتتكلمي عنها دي كانت فدا لأخوكي، يعني شرف ونياشين على وشك عمك عثمان عارف جدرك زين، وهو اللي اختارك لولده، وجال لولا زينة ما يدخل دارنا غريب.

زينة تنهدت تنهيدة طويلة وطلعت من قلبها:
بس سالم مش زي أبوه يا أماي أنا شفته مرة من بعيد، شفت في عيونه كبرياء وجوة سالم مش هيقبل بيا، ولو وافق عشان خاطر أبوه، هيعيشني في سجن الشفقة. وأنا يا أماي أموت ولا حد يبص لي بكسرة عين أو يجول يا عيني عليها.

نبوية طبطبت على كفها بقوة:
يا بنتي، سالم لسه مشافش جوهرك هو جاي بكره يشوفك ويتحدد معاكي أسمعيني يا زينة، الراجل الحج هو اللي بيشوف بجلبه وإنتِ بجمال روحك وعجلك تويني ميت واحدة غيرك ماتظلميش نفسك ولا تظلميه من جبل ما يجي يمكن ربنا راد يجمع بينكم عشان يفتح عينه على الحجيفة.

زينة بصت للأرض وصوتها واطي:
أنا خايفة يا أماي خايفة لما يجي ويشوفني عن جرب، يلف وشه الناحية التانية خايفة من نظرة النقص في عيون الراجل اللي هكون شريكة حياته أنا مش ناقصة عشان حد يكملني بشفقة، أنا كاملة بربنا.

نبوية رفعت وش زينة بـيدها وبصت في عيونها:
إنتِ زينة البنات، واللي ما يعرفش جدرك ما يلزمناش بس سالم فيه بذرة خير، وأبوه مربيه على الأصول إلبسي بكرة توبك الزين، وخليكي واثقة في نفسك لو رادك لروحك، يبقى شريك العمر، ولو رادك لشكل وجمال، يبقى هو اللي خسران الجوهرة، وإحنا الكسبانين.

زينة بابتسامة حزينة بس فيها قوة:
ماشي يا أماي هقابله، وهتحدد معاه بكل صراحة مش هخبي عيني ولا هداري خجلي هخليه يشوف زينة على حجيجتها، واللي فيه الخير يقدمه ربنا بس ادعي لي يا أماي، ادعي لي إن قلبي ما يتكسرش في الدار دي.

نبوية:
دعوتي ليكي ليل نهار يا بنتي، إن ربنا يرزقك باللي يشوفك بعيونه الاتنين روح وعقل، مش بس ملامح بكره يبان المستور، والصباح رباح.
……..
قعد سالم مع صاحبه منصور على دكة خشب قدام الساقية والليل كان هادي، بس قلب سالم كان زي المرجل اللي بيغلي. منصور كان صاحبه الروح بالروح، وعارف اللي شاغل باله من غير ما ينطق، قدم له كباية شاي تقيلة وسأله بنبرة هادية.

منصور:
مالك يا سالم؟ قاعد ونافخ ريشك كأنك في عركة، والشاي برد في يدك وأنتَ لساتك باصص للسما إيه اللي شاغل بالك يا خوي؟

سالم رمى كباية الشاي على الأرض بضيق:
تعبان يا منصور، تعبان وواقف بين نارين نار أبويا ووصيته اللي عاوز يربطني بيها، ونار نفسي اللي مش طايقة فكرة إنه يكسرني ويجوزني واحدة بـعين واحدة يا خي دي عيشة دي؟

منصور عدل قعدته وبص له بتركيز:
أها الحكاية فيها زينة  بس يا سالم، إحنا طول عمرنا بنسمع عن البنية دي كل خير أدب وعلم وطيبة قلب مفيش منها في النجع كله إيه اللي قالب كيانك كدة.

سالم قام وقف وبدأ يمشي في المكان بعصبية:
يا منصور افهمني! أنا سالم، اللي مفيش فرح في البلد مابيرقصش فيه بالتحطيب والكل يشاور عليه أروح في الآخر أتجوز واحدة عيانة؟ الناس هيجولوا إيه؟ أهو سالم اللي كان متنقي، وقع في واحدة مكسورة أنا رايد واحدة أتباهى بجمالها، واحدة لما تمشي جنبي الناس تنبهر، مش واحدة الناس تشفق عليها وعليا!

منصور بابتسامة هادية:
والله يا سالم، إنتَ اللي مكسور، بس من جوه إنتَ باصص لعينها اللي راحت، وناسي قلبها اللي وسع الكل يا صاحبي، الجمال اللي إنتَ بتدور عليه ده، يدوب أول مطرة بتغيره، وأول تجعيدة بتشيله لكن زينة، زينة دي نورها طالع من جوه. وبعدين، مين فينا كامل يا سالم؟ كل واحد فينا فيه عيب، بس فيه اللي عيبه باين للناس، وفيه اللي عيبه مستخبي تحت هدومه وفي سواد قلبه.

سالم وقف وبص لمنصور بحدة:
يعني إنتَ شايف إني غلطان؟ شايف إني لازم أوافق وأدفن شبابي مع واحدة مش هقدر حتى أبص في وشها من غير ما أحس بنقص؟

منصور قام ووقف قدامه وحط يده على كتفه:
أنا مش بقول لك وافق وأنتَ مغموض، أنا بقول لك افتح قلبك قبل عينك يا سالم، الرجولة مش بالمنظرة ولا بالوش الجميل، الرجولة إنك تكون سند للي محتاجة سند وزينة دي، لو شالت اسمك، هتشيلك فوق راسها فكر في أبوك يا خوي، عثمان راجل خابر الدنيا زين، وعمره ما يرميك في التهلكة تفتكر هو رايد لك الشقى؟

سالم تنهد بوجع وصوته هدي شوية:
أبوي بيقول لي روح شوفها واقعد معاها بس أنا خايف يا منصور خايف أشوف فيها اللي يكسرني، أو أحس إني بظلمها معايا.
 أنا قلبي قاسي في الحاجات دي، ومبقدرش أجامل.

منصور:
روح يا سالم، روح واقعد معاها كأنك بتشوفها لأول مرة اسمع حديتها، شوف عقلها، يمكن تلاقي فيها اللي ملقيتوش في أجمل بنات النجع العين بتخدع يا صاحبي، بس الروح مابتعرفش تكذب ولو طلعت فعلًا مش رايدها، يبجى عملت اللي عليك وأرضيت أبوك، والرزق يحب الخفية.

سالم بص للأرض وسكت فترة، وبعدين هز رأسه:
ماشي يا منصور هروح. بس لو طلعت زي ما أنا متخيل، مش هكمل دقيقة واحدة في الدار دي. أنا مش حمل شفقة من حد، ولا حمل جوازة قايمة على 'معلش' و'جبر الخواطر'.

منصور ضحك وطبطب على ضهره:
روح يا بطل، وإن شاء الله ربنا هيقدم اللي فيه الخير بس ابقى افتكر كلامي، الساعات مابتتحسبش بالعقارب اللي بتلف، بتتحسب بالدقات اللي بتدق جوه الصدر. وزينة دقات قلبها تسوى دهب النجع كله.
……..
في اليوم الموعود دخل عثمان وولده سالم لبيت "الحاج كامل"، وكان البيت منور بالمصابيح والترحاب الواصل لآخر النجع الحاج كامل كان راجل وقور، قاعد في وسط مندرته الواسعة، هيبته تسبقه، وأول ما شاف عثمان قام وقف وفتح دراعاته بابتسامة صعيدية صافية.

كامل:
يا أهلاً يا أهلاً ببيت الكرم! نورت يا عثمان يا أخوي، ونورت يا زين الشباب يا سالم. اتفضلوا، الدار داركم والعتبة ملككم.

عثمان وهو بيسلم بحرارة:
منورة بصاحبها يا حاج كامل. والله الشوق ليكم واصل للسما، واليوم ده أنا مستنيه من سنين.

قعدوا كلهم، وسالم كان قاعد بجسمه بس، عيونه بتلف في المندرة بيدور على أي ملمح يطمنه أو يهرب منه القلق كان واكل قلبه، وكلام زينة اللي سمعه من أبوه ومن منصور عمال يتردد في ودنه.

كامل وهو بيصب الشاي بنفسه:
من غير كلام كتير يا عثمان، إحنا أهل وأنساب من جبل ما نكون جيران والطلب اللي جلت عليه في التليفون على راسي من فوق سالم ولدنا، ومين في النجع كله ما يتمنهوش عريس لبنته؟

عثمان:
تسلم يا كامل، وده العشم فيك إحنا جايين نطلب يد "زينة" لسالم، ونتمم وصية المحبة اللي بينا وعارفين إن زينة جوهرة، والجوهرة ما يخدهاش إلا اللي يعرف جدرها.

سالم حس إن الكلام بيتحجر في زوره، والكل باصص له يستنوا نطقه بلع ريقه وجال بصوت هادي حاولت فيه القوة تداري الارتباك:
يا عمي كامل، إنتَ عارف معزتك عندي وإحنا جايين النهاردة بالأصول، ورايدين القرب منكم.

كامل بص لسالم نظرة طويلة فيها حكمة:
يا سالم يا ولدي، الجواز مش بس نسب وفرح وطبل وزمر الجواز مودة ورحمة وأنا بنت أخوى زينة، ربنا أعطاها كتير، واختبرها في عينها هي بتشوف بقلبها أكتر ما بتشوف بعينها. وأنا كأب، يهمني إن اللي ياخدها يشوف اللي أنا شايفه فيها إنتَ يا ولدي، رايد زينة بجد؟ ولا رايد ترضي أبوك وبس؟

السؤال كان زي السهم اللي صاب قلب سالم سكت شوية، والكل حبس أنفاسه.
يتبع 
                 الفصل الثاني من هنا

تعليقات