
الساعة تخطت منتصف الليل. صوت المطر بره كان بيضرب في زجاج الشبابيك بقوة، والجو برد لدرجة تخلي الواحد يفضل مستخبي تحت البطانية.
ليلى كانت قاعدة في الصالة، الإضاءة هادية، ولابسة ترينج شتوي ومطبقة رجليها وهي بتشرب شاي دافي وبتراجع تصاميم شغلها على اللاب توب.
فجأة.. "تيك.. تيك.. تيك".
صوت خبطات منتظمة وضعيفة جداً على باب الشقة.
ليلى رفعت عينيها عن الشاشة واستمعت بتركيز.
الصوت اختفى. قامت ببطء وهي بتقول لنفسها: "أكيد ده الهوا والمطر بيخبطوا في السلك بره". لكن قبل ما ترجع تقعد، الخبط تكرر، بس المرة دي كان أقوى وأوضح.
مشت ليلى لحد الباب، وبصت من العين السحرية. الممر بره كان ضلمة تماماً، ومفيش أي حفركة أو حركة.
فتحت الباب بحذر وهي بتقول: "مين؟".
محدش رد. الممر كان فاضي تماماً.. لكن لما نزلت عينيها للأرض،
لقت علبة كرتون مستطيلة، ملفوفة بورق هدايا أسود مطفي، ومربوطة بشريط ستان أحمر دموي.
ليلى وطت وأخدت العلبة ودخلت وقفلت الباب بالترباس. قعدت على الترابيزة وبدأت تفك الشريط بفضول ممزوج بقلق. فتحت العلبة،
وكان أول حاجة قابلتها ريحة تراب وورق قديم.. ريحة شبه ريحة المخازن المهجورة.
جوه الكرتونة كان فيه ألبوم صور جلدي قديم جداً. ليلى فتحت الصفحة الأولى......
.وحست بإن قلبها سقط في رجليها!
دي صورتها وهي صغيرة، واقفة في جنينة مع مامتها وأخوها الصغير.. ومامتها كانت حاضنة "فراغ"! الجزء اللي المفروض يكون فيه باباها كان مقصوص بدقة شديدة بمقص!
قلبت الصفحة التانية.. صورتهم في مصيف من خمس سنين، ونفس الشيء..
مكان الأب مقصوص! كل صور الألبوم بلا استثناء كان الأب متشال منها وكأنه ملوش وجود.
"مين اللي ممكن يعمل كده؟ وليه دلوقتي بعد 3 سنين من اختفاء بابا؟" ليلى كانت بتكلم نفسها وأطرافها بترتعش
.
في قاع العلبة، لقت ورقة مطوية بعناية. فتحتها لتكتشف إنها خريطة مرسومة بالحبر الأسود لشوارع منطقتهم بدقة شديدة، وفي نص الخريطة، عند المبنى القديم اللي في آخر الشارع
(المخزن القديم اللي باباها كان شغال فيه قبل ما يختفي)، كانت فيه علامة "X" كبييييرة باللون الأحمر.
وتحت العلامة، كانت مكتوبة جملة واحدة بخط يد مهزوز:
"قدامك 7 أيام بس عشان تلاقي الحقيقة..
السر بدأ من المخزن، والعد التنازلي بدأ دلوقتي. متبلغيش حد.. لو عايزة تشوفيه صاحي ثانية واحدة."
فجأة، ليلى سمعت صوت حركت رجليين وراها.
التفتت برعب، لقت أخوها الصغير واقف في ضلمة الطرقة، عينه منفوخة من النوم، وماسك في إيده لعبة قطار خشبية قديمة جداً..
ليلى حاولت تداري الخريطة بسرعة وسألته بصوت متوتر: "ياسين؟ إيه اللي صحاك يا حبيبي؟"
ياسين شاور بالقطار الخشب على الباب وقال ببراءة: "ليلى..
القطار ده اشتغل لوحده جوه الأوضة وعمل صوت صفرة..
وبابا كان دايماً بيقولي إن القطار لما بيصَفّر، معناه إن في حد مسافر راجع.. هو بابا رجع؟"ليلى بصت للعبة القطار اللي في إيد أخوها.. اللعبة دي كانت تخص باباها، ومكنتش بتشتغل بقالها سنين لأن تروسها مكسورة!
يتبع
الفصل الثاني من هنا
لقراءة باقي الفصل من هنا