رواية أصوات البحرالفصل الخامس5 بقلم الشروق فتحي
_مش "رُكام" قالك بعدين...أقعدي بس مع ماما وبابا...ونبقى نشوف الشغل ده...تعالى بس أشربي العصير!
وكأن شيئًا ما يسحرها، لتجلس ليل ببطء، وهي تلتقط الكوب بيدٍ مرتجفة، وشفتاها ترتعشان وهي ترتشف منهُ،
ونظراتها الخائفة كانت تتنقل بين وجه رُسيل والكوب، حتى شعرت فجأة بأن جسدها أصبح ثقيلًا، وجفونها لا تقوى على المقاومة، ليسقط الكوب من بين يدها، لينسكب ما تبقّى منه على الأرض، وهي تحاول جاهدة أن تتماسك، لكن قبل أن تُغلق جفونها تمامًا... رأت رُكام ينظر إليها بابتسامةٍ شريرة، لكن ذلك الوجه لم يكن وجه رُكام!
لكنها لم تستطع المقاومة أكثر... لتغلبها جفونها وتغلق، وتغرق في ظلامٍ عميق.
نظرت رُسيل إلى رُكام بتوترٍ ظاهر في ملامحها:
_أنتَ متأكد من اللي هتعمله...دي كارثة!
لينظر إليها بابتسامة غامضة، ثم يوجّه نظره نحو تلك المستلقية:
_طبعًا متأكد!... أنا منتظر اللحظة دي من زمان!
بعد مرور نصف ساعة... كانت ليل تحاول جاهدة أن تفتح عينيها بصعوبة، ولكن رؤيتها كانت ضبابية في البداية، لكن ما أن بدأت ملامح الغرفة تتضح أمامها، اتسعت عيناها من الفزع! لتصرخ وهي تتراجع إلى الخلف، تحاوط قدميها بذراعيها بخوف، بينما أنفاسها تتقطع، كانت ترى رؤوسًا مقطوعة معلّقة في السقف، ودماءً تغطي الأرض والفراش حولها المستلقية عليه، لتعلو صرخاتها الهستيرية، قبل أن يقطعها صوت فتح الباب ببطء...لتنظر إلى من يدخل، وجسدها يرتجف بعنف، لتتسع حدقتا عينيها وهي تكاد تكذّب ما تراه...هل هذا حقًا "رُكام"؟!.. أم أنه كيان آخر... هل هذا قارينهُ؟!..لا، لا... مستحيل يكون هو! ليقطع رُكام حبل أفكارها بابتسامة شيطانية، وصوته يخرج أجشّ كأنه آتٍ من أعماق الجحيم:
_مش مصدقة عينك!(لتعلو صوت ضحكاته)... دي هيئتي الحقيقة!
كانت عيناه حمراوين كالجمر، تبثّ الرعب في القلب، وأنيابه الحادة تلمعو تخرج من فمهُ، وجسده يكسوه رموزًا سوداء، ويداه تملئهم الدماء.
كانت ليل تهز رأسها بجنون، وأنفاسها تتلاحق حتى كادت تنسى كيف تتنفس من الخوف، بينما هو يزيد من حدة نظراتهُ ويقترب منها بخطوات بطيئة تجعل جسدها يشلّ كلما تقدّم:
_لسه مش مصدقة(حتى أقترب من وجهها وأنفاسهُ تدُب في وجهها)...جحميك هيبدأ على أيدي، لو فكرتي ترفضي اللي هقوله(ليزيد من ضحكاته بثقه) بس على ما أظن مش هتقدري تتكلمي كلمة!
وهو ينظر إلى أعينها بحدة كأنها تحتل جسدها ببطئ:
_أنا مجرد ما أشاور على حاجة تكوني ملكى(ابتسم بثقةٍ مظلمة وهو يقترب أكثر) وأنا شاورت عليكي، وهتكوني ملكي، لكن (ليتغيّر صوته فجأة، ويتحول إلى صوتًا غليظ، بينما امتدت يداه إلى عنقها، وأظافره الحادة بدأت تضغط بقوة) لو فكرتي ترفضي هيكون جحيمك على أيدي!
ولكن "ليل" كانت تشعر أن الهواء يُسحب من صدرها، حاولت أن تتحرك، أن تصرخ، لكن جسدها كأنه شُلّ تمامًا...لم يبقَ فيها سوى نظراتها، نظراتٌ ترتجف بالرعب وهي تتوسل للنجاة.
ليتركها تسقط على الفراش، وجسدها يرتجف وأنفاسها تتلاحق بصعوبة، بينما نظراته ما زالت تلاحقها، تملؤها التهديد والظلام:
_اللي بيدخل جحيم "رُكام" مش بيطلع منهُ.
ثم استدار ببطء، وخطواته تُصدر صدى ثقيلًا في أرجاء الغرفة، قبل أن يغلق الباب خلفهُ بقوة، فاهتزّ المكان كله كأن الجدران ارتعدت خوفًا منه.
ليتركها واقعة في صدمتها جالسة تحدق في الفراغ، ودموعها تسيل دون وعي...
هل كانت تحبّ جنًّا كل تلك المدة؟!
هل كان كل ما عاشته وهماً؟!
ارتجفت شفتاها وهي تهمس لنفسها بصوتٍ مبحوح:
دي... تكون حقيقته؟!
في الجهة الأخرى كانت رُسيل تنظر لرُكام بتوتر:
_أنتَ عارف لو الخبر وصل للملك؟!...ايه اللي ممكن يحصل!...أنتَ كده بتخالف قوانين الطبيعة!
ليبتسم بثقةٍ باردة، وعينيه تتلألأ بظلامٍ غريب:
_وأنا أختارتها ومفيش حاجه هتمنعني!
في الجهة المقابلة، كانت ليل تجلس على الفراش ترتجف، تنظر إلى تلك الرؤوس المعلقة بخوفٍ يعتصر صدرها، قبل أن تقع عيناها على الحائط المقابل وقد انكتبت عليه كلمات بدماء:
_من يدخل جحيمنا... لا يخرج منهُ...ذلك المكان هو مقبرتك!
لتبتلع ريقها برعبٍ وهي تندفع نحو الباب محاولةً فتحه، لكن دون جدوى لتظل تصرخ وتضرب الباب بجنون، ولكن لا حياة لمن تنادى، وفي تلك اللحظة، شعرت بأنفاسٍ حارة خلفها...تجمدت في مكانها، قبل أن تشعر بأظافر حادة تنغرس في كتفها! لتصرخ بألم، لكن صوتًا غليظًا كتم أنفاسها وهو يهمس قرب أذنيها:
_سيكون مقتلك على يد....
لكن قبل أن يُكمل، انفتح الباب فجأة! لتستدير لتنظر خلفها بخوفٍ، تبحث عن مصدر الصوت... لم يكن هناك أحد، لتعود بنظرها نحو الباب... وتتجمد في مكانها!
لتتراجع إلى الخلف بخوف، وهي تهز رأسها بعدم تصديق:
_أنتِ كمان طلعتي منهم!.. مستحيل مستحيل!!!
كانت رُسيل تقف ساندة على الباب، تبتسم ابتسامةً شاحبة تملئها البرود:
_مش أخويا...هكون أنسيه مثلًا!(ثم أكملت بنبرةٍ حادة)... مش تحاولي ترفضي حاجه لـ"رُكام" علشان ساعتها هتكوني فتحتي قبرك بإيدك!
