
قصه صرخه غريق كامله بقلم مليكة الروايات والحكايات
كانت ليلة شتاء قاسية يعوي فيها الريح وتتلاحق العواصف الرعدية لتجبر الجميع على ملازمة بيوتهم والالتماس بالدفء وفي تلك الأجواء كان الفتى صالح الذي لم يتجاوز السبعة عشر عاماً يجلس شارد الذهن يتابع عبر شاشة هاتفه تفاصيل تلك البلاد البعيدة ويحادث صديقاً له استقر في فرنسا بلد الأنس والجمال حيث يصف له سحر برج إيفل وانعكاس الأضواء الصاخبة في شوارع باريس وحياة الترف التي تفتح أبوابها بلا قيود ولا حدود فبات صالح ليلته تلك يحلم بالنعيم والأضواء التي يعيش فيها أقرانه واستقر في أعماق قلبه حلم السفر بأي ثمن ليكون مثلهم وفي الغرفة المقابلة لم يكن الأب عبد السميع بمنأى عن هذه الأحلام لكن بلمحة مغايرة حيث كان يجلس إلى جوار زوجته أمينة يندب حظه ويقارن حاله بحال جاره بدوي الذي تبدلت أحواله فجأة بعد سفر ابنه وصار يرتدي أفخر الجلاليب الكتان ويشرب السجائر المستوردة ويمشي في القرية بخيلاء كأنه ملك عزبة بأكملها فترد عليه أمينة بتنهيدة خوف داعية إياه أن يغلق هذا الباب لأن ابنهما صالح ما زال صغيراً فيثور عبد السميع معلناً أن الفتى أصبح رجلاً في السابعة عشرة من عمره ويمكنه الزواج بعد سنوات قليلة لتؤكد له الأم المكلومة في داخلها أنها لن تسفره أبداً لأن أرضهم أولى بعافيته وشبابه غير أن شهوة الثراء كانت قد تملكت الأب تماماً وفي ذات يوم بينما كان يجلس مع أصحابه على مقهى بأطراف القرية تناهى إلى مسامعه حديث عن سمسار يدعى درويش يسفر الشباب بمبالغ زهيدة وقد جعل من أولاد الكفر كلهم أغنياء يطاولون السماء ببنائهم الخرساني الحديث فعاد عبد السميع إلى بيته الطيني وعرض الأمر على صالح الذي التمعت عيناه بالفرحة واعتبر السفر أمنية حياته متعهداً لوالده بالكتمان وعدم البوح لأمه كي لا تقلب البيت مناحة وتوالت الأيام حتى التقى الأب بدرويش الذي طمأنه بخبث مضلل مدعياً أن قواربهم عبرت بنصف شباب مصر نحو النعيم الإيطالي ومنه بقطار سريع نحو فرنسا فالأمر لا يدعو للقلق وكل ما يطلبه هو التوكل على الله وانطلقت رحلة التجهيز حيث حزم صالح ملابسه القليلة وزاداً بسيطاً من الطعام والماء دون أن يدري أن الأضواء التي يبحث عنها ما هي إلا سراب سيتبخر في ظلمات المحيط الغادر وجاءت لحظة الوداع المريرة فوقف صالح يوصي شقيقته الصغيرة صباح ذات الخمسة عشر عاماً بالدعاء له واعداً إياها بأموال طائلة وهواتف حديثة لتمويل تعليمها وإراحة والدهما ليكون مثل عمها بدوي فبكت الفتاة الصغيرة معلنة أنها لا تريد سوى وجوده بجانبها وأهدته مصحفاً صغيراً ليحفظه وفي تلك اللحظة اكتشفت الأم المؤامرة فصرخت في وجه زوجها مستنكرة إلقاء ابنهما في عرض البحر لا حول له ولا قوة فما كان من الأب الذي أعمى الطمع بصيرته إلا أن زجرها مهدداً إياها بالطلاق إن تفوهت بكلمة أخرى لتتحرك خطوات صالح نحو المصير المجهول وعلى الشاطئ المظلم التقى درويش بقائد المركب صقر الذي لم يكترث لتكدس أعداد الأطفال والشباب في القارب الصغير معتبراً إياهم حمولة خفيفة لن تؤثر على إبحاره وهناك ارتمى صالح في أحضان والده باكياً وطالباً منه أن يرعى أمه وأخته وألا يخبر والدته بأي سوء قد يصيبه كي لا تفجع عليه فحثه الأب على الشجاعة وتلاوة آية الكرسي مودعاً إياه بكلمات جوفاء وانطلقت المركب في عرض البحر وما هي إلا ساعات حتى هبت عاصفة هوجاء تلاطمت معها الأمواج العاتية فتعالت صرخات الرعب واستغاثات الأطفال الصغار بينما كان صالح يتشبث بمصحفه الصغير يقبله بدموع حارقة وينطق بالشهادتين حتى جاءت موجة جبلية ضخمة قلبت المركب رأساً على عقب لتبدأ معركة الموت ضد أمواج المحيط الباردة فاستقرت أجساد غضة في القاع المظلم وراحت أرواحهم تفيض واحدة تلو الأخرى وسقطت الأحلام كلها في الأعماق صارع صالح الأمواج بكل ما أوتي من عزم الشباب وذكريات بيته الطيني تلوح أمام عينيه حتى خارت قواه تماماً وامتلأت رئتاه بالمياه المالحة ليفارق الحياة بدموع امتزجت بملوحة المحيط ولم يمر وقت طويل حتى زحف الخبر الفاجع إلى القرية لتنطلق صرخات أمينة مدوية تزلزل جدران البيت وتصب جام غضبها وحسرتها على زوجها الجشع الذي قتل ابنه بيده من أجل بيت من خمسة أدوار وجلابية كتان تاركاً ظهره للريح بلا سند ولا ولد وفي تلك الأثناء كان عبد السميع يولول كـالنساء ويطم وجهه يتمنى لو كان هذا كله كابوساً مزعجاً يستيقظ منه لكنها كانت الحقيقة المرة التي دفع ثمنها ابنه الشاب من حياته وروحه لأجل حفنة أموال زائفة رفقاً بفلذات أكبادنا ولا تلقوا بهم في غيابات الموت من أجل رفاهية فانية فلله الأمر من قبل ومن بعد ورحم الله أرواحاً طاهرة غرقت وتبخرت أحلامها في عرض البحر والهم ذويهم الصبر والسلوان.
تمت بحمد الله