قصه خيوط الصبار كامله بقلم مليكه الروايات

قصه خيوط الصبار كامله بقلم مليكه الروايات 

خيوط الصبار🌵👑

​في تلك القرية الصغيرة القابعة على ضفاف النهر، كانت

 "صبرية" تُعرف بأنها أمهر من غزل الحرير. في المدينة كلها تتهافت على منسوجاتها التي تشبه خيوط الشمس. لكن هذا الصباح، كان النول الخشبي القابع في زاوية الغرفة يبدو كوحش صامت.

​حاولت "صبرية" أن تمسك بالمكوك، لكن أصابع يدها اليمنى خذلتها؛ تشنجت فجأة وانقبضت على فراغ، وكأن الأعصاب داخلها قد قررت الإضراب عن العمل. مسحت عرقاً بارداً تصبب من جبينها، وهي تشعر بآلام تنهش عظام جسدها، آلاماً لا تفسير لها سوى أنها تراكم سنين من السهر والجهد.

​"يا معين.." همست بها وهي تحاول تدليك كفها، ليقطع خلوتها صوت "رضوان" زوجها" الجهوري وهو يقتحم الغرفة:

​"ما زلتِ جالسة مكانك؟ التجار يسألون عن الطلبية، وأنتِ تتدللين كأنكِ عروس في يومها الأول!"

​لم تنظر إليه، بل ظلت تحاول فك تشنج أصابعها، وقالت بصوت خفيض:

​"يدي يا رضوان.. الوجع لا يرحم، والكهرباء تسري في أطرافي منذ الفجر."

​اقترب منها رضوان، ولم تكن في عينيه ذرة من شفقة، بل رمق النول بنظرة غاضبة وقال أمام أبنائه الذين دخلوا يطلبون طعامهم:

​"يدُكِ أم كسلُكِ؟ يبدو أنكِ كبرتِ ولم تعودي تصلحين لشيء. المرأة التي لا تعين بيتها بجهدها لا تستحق لقمة العيش التي تأكلها. انظروا يا أولاد.. أمكم تضيع وقتها في الأنين، بينما البيت يحتاج لكل قرش."

​نظرت ابنتها الكبرى "نور" إليها بعينين تملؤهما الحيرة والخوف، بينما أحست "صبرية" بغصة سدت حلقها. لم تكن طعنة الكلمات هي ما آلمها، بل تلك النظرة التي يحاول غرسها في نفوس أبنائها؛ نظرة تجعل من الأم "آلة" إذا تعطلت، فَقَدت قيمتها.

​لم ترد، بل قامت ببطء وهي تتكئ على جدار الغرفة، تشعر أن عظامها كزجاج يتكسر مع كل خطوة. دخلت إلى مطبخها الصغير، وأمسكت بقطعة فحم صغيرة، وعلى الجدار الأبيض خلف الباب، حيث لا يراها أحد، رسمت خطاً صغيراً.. كان هذا الخط هو طريقتها الوحيدة لعدم الانفجار.

​لم يكن "رضوان" يعلم أن خلف صمتها هذا، كانت "صبرية" تبني في خيالها عالماً آخر، عالماً لا يملك فيه أحد سلطة على كرامتها، حتى لو خانتها يدها عن الغزل، فإن روحها ما زالت تغزل أحلاماً للحرية لن يدركها أبداً.

​مرت الأيام، وأصبح الألم ضيفاً ثقيلاً يسكن مفاصل "صبرية". لم يعد "رضوان" يكتفي بالكلمات الجارحة، بل صار يتعمد إهمال طلباتها للدواء، مدعياً أنها "أوهام نساء" لتهرب من نول الحرير.

​في ليلة شديدة البرودة، شعرت صبرية بوخز كالسكاكين في قدميها، كان الخدر يمنعها من الشعور بالأرض تحتها. تسللت من فراشها بهدوء، وجلست في ركنها المظلم. أمسكت بقطعة الفحم الصغيرة، ونظرت إلى الجدار خلف الباب الذي امتلأ بخطوط ورموز لا يفهمها غيرها.

​كانت "نور" ابنتها الكبرى تراقبها من بعيد. اقتربت الفتاة بهدوء وجلست تحت قدمي أمها، وبدأت تدلكهما بكفيها الصغيرتين.

​"أمي.. هل أنتِ بخير؟ لماذا لا نذهب للحكيم في المدينة؟"

​نزلت دمعة حارة من عين صبرية، مسحتها بسرعة وقبلت رأس ابنتها:

​"لا تقلقي يا نور، إنها ضريبة الغزل يا ابنتي. الجسد يذوب ليبقى الحرير ناعماً."ومغزولا

​في تلك اللحظة، اقتحم "رضوان" المكان، كان يبحث عن مفاتيح مخزنه. تجمدت نظراته عند الجدار المليء بالخربشات السوداء. سخر بضحكة عالية هزت أركان الغرفة:

​"انظروا.. الغزّالة التي تدعي المرض أصبحت ترسم كالاطفال على الجدران! بدلاً من أن تريحي جسدك لتعودي للعمل، تضيعين سواد الليل في سواد الفحم؟"

​لم تنظر إليه "صبرية"، بل ظلت يدها متمسكة بقطعة الفحم بقوة. شعرت بقوة غريبة تسري في أصابعها المتشنجة؛ قوة لم تأتِ من دواء، بل من الغضب المكتوم. وقفت ببطء، واستندت إلى النول الخشبي، وقالت بصوت هادئ لكنه صلب كالحجر:

​"هذه الخطوط يا رضوان ليست لعباً.. هذه حسابات عمري التي نسجتها في حريرك لسنوات. إذا خانتني يدي عن الغزل، فلن يخونني عقلي عن تذكر كل ليلة سهرتها لتصبح أنت ما أنت عليه اليوم."

​ارتبك رضوان للحظة، لم يعتد منها الرد أو المواجهة. حاول استعادة جبروته بالصراخ:

​"لسانكِ طال يا صبرية! غداً سآخذ النول وأبيعه، فما فائدة الآلة التي لا تنتج؟"

​خرج وأغلق الباب خلفه بعنف، فالتفتت صبرية إلى ابنتها وقالت بهمس:

​"دعيه يبيع الخشب يا نور.. المهم ألا يبيع ما في رؤوسنا. غداً سنذهب للحكيم، ليس من ماله، بل من القروش التي خبأتها في شقوق الجدار لهذه اللحظة."

​كانت تلك أول مرة تشعر فيها صبرية أنها ليست مجرد "غزّالة" مريضة، بل هي صاحبة قرار، وأن رحلة علاجها من السكر والألم ستبدأ بخطوة لن يوقفها أحد.

​في الصباح التالي، كان الصمت يلف المنزل، لكنه لم يكن صمت الاستسلام، بل صمت التخطيط. انتظرَت "صبرية" حتى غادر "رضوان" إلى السوق، وتحاملت على آلام قدميها التي كانت تشعر فيها بوخز كالإبر كلما ارتطمت بالأرض.

​سندتها ابنتها "نور" وهي تهمس:

​"أمي، هل سيعرف أبي أننا ذهبنا لمدينة الحكيم؟"

أجابتها صبرية وهي تخرج لفافة صغيرة من القماش خبأتها طويلاً في شق خلف النول:

​"لا يهم يا ابنتي.. الوجع الذي في عظامي لم يعد يحتمل التأجيل، وعيني التي غامت الرؤية فيها تحتاج من يداويها لترى الطريق."

​وصلتا إلى عيادة الطبيب في أطراف المدينة. كان الطبيب رجلاً وقوراً، فحص يديها المتشنجتين بعناية، وسألها عن نوبات العطش والتعب. بعد وقت قصير، قال بنبرة هادئة:

​"يا حاجة صبرية، جسدكِ يرسل إليكِ رسائل استغاثة. هذا الخدر في الأرجل ليس مجرد إرهاق، إنه السكر الذي يحتاج لانضباط، وهذه العظام تحتاج لغذاء وراحة، لا لضغط وتوتر."

​أعطاها الطبيب وصفة لبعض الأقراص (بديلة لـ B12) لتقوية أعصابها، ونصحها بتقليل النشويات والابتعاد عن "الحزن" قدر الإمكان. نظرت صبرية إلى الورقة كأنها تمسك بمرساة نجاة، وقالت بمرارة:

​"وكيف يبتعد الحزن عمن يعيش في بيت يُهان فيه جسده كلما وهن، يا حكيم؟"

أجابها الطبيب بعطف:

​"الشفاء يبدأ من الداخل يا أمي.. أنتِ لستِ مجرد يد تغزل، أنتِ روح لها حق عليكِ."

​عادت صبرية إلى المنزل قبل غروب الشمس، واللفافة الدوائية مخبأة في طيات ثوبها. دخلت المطبخ، وبدلاً من أن تبدأ في إعداد الطعام الثقيل الذي يحبه رضوان، صنعت لنفسها طبقاً من الخضروات المسلوقة، وقررت أن تبدأ رحلة "ترميم نفسها".

​بينما كانت تتناول طعامها بهدوء، دخل رضوان ومعه تاجر غريب. صاح بزوجته دون مقدمات:

​"هاتِ المفتاح يا صبرية، بعتُ النول لهذا الرجل، فما عدنا بحاجة لخشب يأخذ مكاناً بلا فائدة."

​نزلت الكلمات عليها كالصاعقة، كان النول هو رفيق عمرها، واليوم يُباع كقطعة أثاث قديمة. شعرت بتلك الرجفة في أصابعها تعود، لكنها هذه المرة لم تخفض رأسها. قامت ببطء، ووضعت المفتاح على الطاولة ببرود لم يعهده منها، وقالت:

​"بعهُ يا رضوان.. لكن تذكر أنك بعت الخشب فقط، أما الحرير الذي في رأسي، فلا يملكه أحد غيري."

​التفتت نحو ابنتها "نور" وغمزت لها بعينها، كأنها تخبرها أن الدواء الذي في ثوبها أهم بآلاف المرات من النول الذي رحل، وأن فصلاً جديداً من حياتها قد بدأ للتو.

مر أسبوع على رحيل النول. كان الركن الذي يشغله في الغرفة فارغاً وموحشاً، لكن قلب "صبرية" بدأ يمتلئ بشيء جديد. التزمت بأقراص تقوية الأعصاب التي جلبها الحكيم، وبدأت تشعر أن الخدر الذي كان يسكن قدميها عند الاستيقاظ بدأ يتراجع قليلاً، كأن الروح عادت تسري في أطرافها من جديد.

​كان "رضوان" يراقبها بضيق؛ فصمتها الطويل وهدوؤها المريب كانا يستفزانه أكثر من بكائها السابق. دخل عليها ذات مساء وهي تجلس في صحن الدار، وقال بنبرة ساخرة:

​"أراكِ أصبحتِ كثيرة الصمت.. هل أصاب السكر لسانكِ أيضاً؟ أم أنكِ حزينة على النول الذي بعناه لنطعمكِ ونطعم أولادك؟"

​نظرت إليه "صبرية" بعينين فيها صفاء غريب، وقالت بهدوء:

​"لساني بخير يا رضوان، أنا فقط أوفر طاقتي لما هو آتٍ."

​لم يفهم ما تعنيه، فتركها وانصرف ليجلس مع أصحابه. في تلك اللحظة، نادت صبرية ابنتها "نور":

​"يا نور.. هل أحضرتِ لي الألوان والخيوط الملونة التي طلبتها منكِ من المدينة؟"

​أخرجت نور من تحت ثيابها لفافة صغيرة تحتوي على خيوط حريرية ملونة وإبر تطريز دقيقة. كانت صبرية قد قررت أنها إذا كانت لا تستطيع الجلوس خلف النول الضخم وبذل مجهود جسدي يرهق عظامها، فإنها ستغزل بطريقة أخرى.. "التطريز اليدوي".

​بدأت أصابعها التي كانت تتشنج في السابق، تمسك بالإبرة بحذر. في البداية، شعرت بوخز بسيط، لكن مع انتظام الدواء، بدأت يدها تطيعها. بدأت تطرز على قطع صغيرة من القماش بقايا حكاياتها؛ رسمت زهراً يخرج من وسط الأشواك، ورسمت شمساً تشرق خلف جبال سوداء.

​كان هذا التطريز هو "كتابتها السرية". كل غرزة إبرة كانت كلمة، وكل لون كان شعوراً.

​ذات يوم، زارتها جارة لها، وهي زوجة لتاجر كبير في المدينة. لمحت قطعة القماش التي كانت صبرية تطرزها، فشهقت من جمالها:

​"ما هذا يا صبرية؟ هذا ليس مجرد تطريز.. هذه لوحة تحكي قصة! إنها أرق وأجمل من سجاد الحرير الذي كنتِ تغزلينه."

​ابتسمت صبرية، وشعرت لأول مرة منذ سنوات بقيمتها الحقيقية. لم تكن تحتاج لرضوان ليعرف قيمتها، بل احتاجت أن تصدق هي أنها قادرة على الإبداع رغم الألم.

​عندما عاد رضوان ورأى الجارة تساوم صبرية على شراء القطعة بمبلغ لم يحلم به من النول القديم، وقف مذهولاً عند الباب. حاولت كلمات الإهانة أن تخرج من فمه، لكنها تجمدت حين رأى "نور" تنظر إليه بفخر وهي تمسك بيد أمها، وحين رأى صبرية تقف بثبات، لم تعد تتوكأ على الجدران، بل تسند نفسها بروحها التي عادت إليها.

​لم يحتمل "رضوان" أن يرى "صبرية" تستعيد بريق عينيها، والأدهى من ذلك، أنها بدأت تملك "مالاً" خاصاً بها من تطريزها الذي ذاع صيته. كان يشعر أن سلطته تتآكل مع كل غرزة إبرة تضعها في القماش.

​في ليلة عاصفة، دخل رضوان البيت وهو يشتاط غضباً، وجد صبرية تجلس قرب المصباح، تدقق في قطعة قماش حريرية بيضاء، ترسم عليها "طائراً" يحاول الطيران. لم يقل شيئاً، بل امتدت يده الغليظة واختطفت القماش من يدها ومزقه نصفين أمام عينيها.

​صرخت "نور" وهي تحاول حماية أمها، لكن رضوان صاح بصوت زلزل أركان الغرفة:

​"لا أريد ألواناً في هذا البيت! ولا أريد تجاراً يطرقون بابي ليسألوا عنكِ. أنتِ هنا زوجة، خادمة، آلة لتنفيذ الأوامر.. لستِ فنانة ولا صاحبة مال!"

​نظرت "صبرية" إلى الحرير الممزق على الأرض، كان بمثابة تمزيق لروحها. أحست بآلام العظام تعود إليها بقوة تحت وطأة القهر، وشعرت بتشنج أصابعها يشتد حتى سقطت منها الإبرة. لكن هذه المرة، لم تبكِ.

​رفعت بصرها إليه، وكانت عيناها حادتين كشفرة الحلاق، وقالت بصوت هادئ ومنخفض، وهو النوع الذي يخيف أكثر من الصراخ:

​"أتعرف لماذا تمزق القماش يا رضوان؟ لأنك تخاف. تخاف أن تكتشف أنني لم أكن يوماً بحاجة إليك لكي أعيش، بل كنتُ أحتاجك لكي نحيا معاً.. لكنك اخترت أن تكون سجاناً لا شريكاً."

​استفزها هدوؤها، فاقترب منها وهو يهدد بيده:

​"سأحرق كل خيوطكِ، وسأمنعكِ من الخروج من هذا الباب، وسأرى كيف ستصنعين (حريركِ) وقتها!"

​في تلك اللحظة، حدث ما لم يتوقعه. وقفت "صبرية" بصلابة، رغم الوجع الذي ينهش ركبتيها، وقالت:

​"احرق الخشب، ومزق القماش، فالحكايات التي في صدري لا تطالها النار. وإذا منعتني من الباب، فسأطرز أحلامي على الجدران، وسأعلم ابنتي كيف تغزل كرامتها قبل أن تغزل ثيابها. أنا مريضة بجسدي يا رضوان، لكنك أنت المريض بروحك، وعلاجك ليس عندي."وغدا تعرف انك تحرق نفسك انت!! 

​تركته واجماً في وسط الغرفة، ودخلت غرفتها مع ابنتها. هناك، أخرجت زجاجة الدواء من تحت وسادتها، وتناولت حبتها بهدوء، ثم همست لنفسها:

​"الجسد سيتعافى بالدواء، أما الروح.. فدواؤها في ألا أسمح له بكسري مرة أخرى."

​في صباح اليوم التالي، استيقظت صبرية لتجد أن رضوان قد فعل "الفعلة الكبرى".. لقد أخذ كل أدواتها وخيوطها وألقى بها في الترعة المجاورة للمنزل. وقف ينتظر انكسارها، لكنها خرجت إليه وهي ترتدي ثوبها الأسود الوقور، وقالت له بابتسامة غامضة:

​"شكراً لك يا رضوان.. فقد وفرت عليّ عناء الاختيار. اليوم سأذهب للمدينة، ليس للعلاج فقط، بل لأعرض رسوماتي على أكبر مشغل هناك.. وهم من سيرسلون لي الخيوط إلى منزلي الجديد."

بعد أن ألقى رضوان خيوطها في الترعة، ظن أنه وأد حلمها. لكنه لم يكن يعلم أن "صبرية" كانت تخبئ في صندوقها الخشبي القديم "تحفة العمر"؛ وشاحاً حريراً طرزته بدموعها وسهرها، يحكي قصة امرأة تولد من جديد.

​في صباح اليوم التالي، وقفت صبرية أمام المرآة، لفت الوشاح حول عنقها، وبدت كملكة خرجت من تحت الرماد. لم تطلب منه إذناً، بل قالت له وهي تهم بالخروج:

​"أنا ذاهبة للمدينة لأقابل صاحب أكبر مشغل.. الوشاح الذي على كتفي هو الذي سيفتح لي الأبواب التي حاولتَ إغلاقها."

​حاول رضوان أن يمنعها، لكن "نور" ابنتها وقفت في طريقه بشجاعة لم يعهدها فيها، وقالت:

​"دعها تذهب يا أبي.. فالشمس لا يمكن حبسها في غرفة مظلمة."

​خرجت صبرية، ومع كل خطوة كانت تشعر بآلام العظام، لكنها كانت تدوس عليها بعزيمة. في المدينة، لم يبهر الوشاح صاحب المشغل فحسب، بل جعله يقول لها:

​"هذا ليس تطريزاً.. هذا (أدب) مكتوب بالإبرة. سأمنحكِ قسماً خاصاً في مشغلي لتعليم النساء، وستكونين أنتِ المسؤولة عن التصاميم."

​عادت صبرية في المساء، ومعها "عقد عمل" يحمل اسمها وقيمتها. دخلت البيت، وضعت الورقة أمام رضوان الذي كان يجلس منكسراً أمام صمته، وقالت له:

​"اليوم يا رضوان، لم يعد المرض هو ما يؤلمني.. فقد وجدتُ العلاج الذي لا يُباع في الصيدليات. وجدتُ​مرت سنة كاملة. لم يعد اسم "صبرية" مجرد اسم لامرأة قروية تكافح المرض، بل أصبح "علامة تجارية" مسجلة على أثمن قطع الحرير في المدينة. انتقلت صبرية للعيش في بيت صغير مشمس يحيطه شجر الياسمين، بيت لا يُسمع فيه صراخ، بل تراتيل هادئة وأصوات ضحكات الأبناء وهم يذاكرون دروسهم حولها.

​تحسنت صحتها بشكل مذهل؛ فالدواء الذي كانت تتناوله بانتظام فعل مفعوله، لكن "دواء الروح" كان الأقوى. لم تعد أصابعها تتشنج، لأن الضغط النفسي الذي كان يعصر أعصابها قد زال.

​أما في الجانب الآخر من القرية، فكان البيت القديم يغرق في سكون موحش. جلس "رضوان" على عتبة الدار، وبدت عليه آثار الإهمال. كان البيت الذي طالما ملأه بجبروته يبدو الآن ضيقاً، بارداً، وفارغاً من كل روح.

​حاول رضوان بعد رحيلهم أن يتزوج بأخرى، لكن صيته في القسوة سبقه، فلم تقبل به امرأة. حاول أن يعود لتجارته، لكنه اكتشف أن "بركة" البيت وقوته كانت تستمد استمرارها من صبر تلك المرأة التي كان يزدريها. فشلت صفقاته، وهجره أصحابه الذين كانوا يلتفون حول ماله، ووجد نفسه وحيداً مع جدران صامتة.

​ذات مساء، اضطر رضوان للذهاب إلى المدينة ليشتري بعض الأغراض. وبينما كان يسير، توقف أمام واجهة مشغل فخم. رأى صورة كبيرة معلقة لـ "صبرية" وهي تتسلم جائزة الإبداع اليدوي، كانت تبدو فيها أصغر بعشر سنوات، هادئة، واثقة، وفي عينيها لمعة انتصار لا تخطئها عين.

​شعر رضوان بغصة لم يشعر بها من قبل. كانت "صبرية" قوية بدونه، بل كانت أقوى بكثير مما كانت معه. أدرك في تلك اللحظة أن إهانته لها لم تكن تكسرها هي، بل كانت تهدم الجسر الوحيد الذي كان يربطه بالحياة الكريمة.

​عاد إلى بيته المظلم، وجلس أمام "النول" القديم الذي حاول استعادته لكنه لم يعرف كيف يحركه. مسك قطعة خشبية وحاول كسرها كما كان يفعل بقماشها، لكن يده هي التي آلمته هذه المرة.

​سقطت دمعة ندم متأخرة على خده وهو يهمس بضعف:

​"لقد كنتِ أنتِ الخيط الذي يمسك حياتي يا صبرية.. وأنا بيدِي قطعتُه."

​وفي تلك اللحظة، في بيتها الجديد، كانت صبرية تمسك بإبرتها وتطرز قطعة حرير جديدة، لكنها هذه المرة لم تكن ترسم طائراً سجيناً، بل كانت تطرز سماءً واسعة بلا حدود، وفي ركن القماش، وضعت توقيعها الجديد بكل فخر: "خيوط الحرية".

​                 تمت بحمد الله 

تعليقات