قصة النداهه الفصل الثاني2 بقلم ملكة الحكايات

قصة النداهه الفصل الثاني2 بقلم ملكة الحكايات
النداهه 
نداءالسواقي؟؟!! 
​لم تكن شمس "كفر السواقي" تشرق كباقي البلاد؛ بل كانت تتسلل خجولة من خلف غابات النخيل، كأنها تخشى كشف الأسرار التي دفنها الليل تحت طمي النيل. "ياسين" المهندس الشاب، لم يذق طعم النوم؛ فصوت تلك الفتاة الغامضة ظل يتردد في غرفته كطنين النحل، ناعماً وحزيناً، يداعب خياله ويثير في نفسه فضولاً لم تعهده كتب الهندسة التي أفنى عمره بين صفحاتها.
​مع أول خيط من الضياء، لم ينتظر ياسين رشفة قهوته الصباحية، بل اندفع نحو "الساقية القديمة". كانت الساقية عملاقة، خشبها أسود متفحم بفعل قرون من الصراع مع الماء، تدور ببطء شديد يصاحبه صرير يمزق سكون الفجر، صوتٌ يشبه بكاء العجائز في المآتم. وقف ياسين يتأمل تروسها الخشبية المتآكلة، لكن عينه كانت تزيغ رغماً عنه نحو ذلك الكوخ المائل، القابع تحت ظلال شجرة الجميز العتيقة التي تضرب جذورها في قلب النهر.
​فجأة، انشق باب الكوخ المصنوع من جريد النخل، وخرجت منه "ليل". لم تكن "نداهة" مخيفة بملامح مشوهة، بل كانت آية في الجمال البدوي الثائر. ترتدي ثوباً أسود يحدد قامتها الممشوقة، وتلف شالاً أرجوانياً حول عنقها بتمرد، وشعرها الغجري يتطاير مع نسمات الفجر الباردة.
​تجمد ياسين في مكانه. سقطت من يده مفكرة القياسات حين التقت عيناه بعينيها. لم يرَ في حياته عينين بهذا الاتساع؛ لونهما يمزج بين خضرة طمي النيل في عمقه وعتمة الليل في سكونه، وفي نظرتها شموخٌ يداري خلفه انكساراً عظيماً.
​"أنت مين؟ وإيه اللي رماك هنا في وقت الفجر؟" نادت ليل، وصوتها الذي كان غناءً بالأمس، صار اليوم حاداً كحد السيف.
​ارتبك ياسين، وهو المهندس الذي اعتاد مواجهة كبار المقاولين: "أنا.. أنا المهندس ياسين. الحكومة بعتتني عشان أعاين السواقي اللي وقفت والمنطقة دي بالذات محتاجة شغل كتير عشان الماية توصل للأراضي العطشانة."
​ضحكت ليل ضحكة مريرة، اهتز لها جسدها النحيل، وقالت بنبرة تقطر سخرية: "مهندس؟ السواقي دي مش محتاجة مساطر ومقاسات يا أفندي.. السواقي دي محتاجة قلوب نظيفة تدورها. الأرض هنا شبعانة ظلم ودم، والماية مش هتمشي في سواقي 'الشيخ عمران' وأعوانه.. الأرض هنا بترفضهم!"
​تقدم ياسين خطوة، مدفوعاً بفضولٍ أحرق حذره: "صوتك بالليل.. كان هو اللي بينادي؟ ليه بتغني بالوجع ده كله؟ وليه الناس هنا بيسموكِ 'النداهة' وبيخافوا يلمحوا طيفك؟"
​تغيرت ملامح ليل فجأة، وانقبضت عيناها كقطة برية تتحفز للهجوم، واقتربت منه حتى شمَّ رائحة البخور والمسك تفوح منها: "الناس بتخاف من الحقيقة يا بشمهندس. هما سموني نداهة عشان يداروا خيبتهم، وعشان يبرروا ليه رجالتهم بيسيبوا بيوتهم وييجوا يقعدوا قدام النهر يسمعوا مواجعي. ابعد عن الساقية دي يا ياسين بيه.. اللي بيقرب من 'ليل'، بياكله سوادها.. ارجع مصر قبل ما النيل يبلعك!
​في الناحية الأخرى من الكفر، وتحديداً في "الدوار" الذي يُعد رمز السلطة والجبروت، كانت "بدرية" تقف خلف مشربية غرفتها العالية. كانت تمسك بـ "منظار" قديم تراقبهما به، وعيناها تشتعلان بلهيب الغيرة. هي ابنة كبير الكفر، التي لم يجرؤ رجل في المنطقة أن يشيح بنظره عنها، ترى الآن هذا المهندس القاهري الوسيم "المتعلم" يقف خاضعاً أمام "الغجريه
​"بنت مهران دي لازم تغور من الكفر!" همست بدرية وهي تعض على شفتيها بغيظ، ثم توجهت فوراً إلى ردهة الدوار حيث كان والدها الشيخ عمران يجلس فوق مقعده الخشبي المحفور بماء الذهب، يداعب سبحته ببطء مريب.
​"شوفت يا بوي؟ المهندس من أول يوم ساب شغله وراح يقف تحت رجلين النداهة! البت دي سحرته بجمالها الشيطاني، والناس في الكفر بدأت تتوشوش.. هيبة الدوار في الأرض يا بوي لو الغريب ده فضل يتردد على الساقية المهجورة."
​وضع عمران سبحته جانباً، وظهرت على وجهه علامات المكر: "ياسين لسه عيل غرير مش فاهم اللعبة يا بدرية. هو فاكر إنه جاي يصلح خشب وتروس، مش عارف إنه داخل 'عش دبابير'. الأرض اللي قاعدة عليها ليل دي، تحتها 'سر قديم' مستنيه من عشرين سنة.. سر يخلينا أسياد القطر كله. لو ياسين كمل كلامه معاها، يبقى حكم على نفسه بالهلاك."
​نادى عمران على ذراعه اليمين، "عباس"، وهو رجل بجسد كالثور وعيون لا تعرف الرحمة: "اسمع يا عباس.. تلم ولاد الكفر الصايعين الليلة، وتروحوا تضايقوا المهندس في استراحته. خليهم يحسوا إن الكفر مش طايقه، وإن وجوده نذير شؤم. والنداهة.. عوزكم تضيقوا عليها الخناق، ارموا سم في الماية اللي بتشرب منها، موّتوا زرعها.. عوزها تزهق وتمشي."
​التفت لبنته بدرية وقال بخبث: "وأنتي يا ست البنات.. عوزك تلبسي أحلى ما عندك، وتنزلي بكرة تطلبي من البشمهندس يصلح لنا 'ماكينة الرفع' اللي في الجنينة الجوانية. عوزه يدخل بيتنا، والبيت له أسرار بتعرف تربط الرجالة.. افهمي يا بدرية.
​عاد ياسين إلى مكتبه، لكنه لم يفتح خريطة واحدة. كان يرسم في مخيلته ملامح وجه ليل، ونبرة صوتها التي تحمل كبرياء الملوك. لماذا تبدو كأميرة من الأساطير مطرودة من عرشها؟ وما هو "الظلم" الذي تحدثت عنه؟
​بينما كان غارقاً في أفكاره، سقطت صخرة كبيرة على نافذة استراحته وحطمت الزجاج، ثم تلتها صرخات همجية من الخارج. خرج ياسين للشرفة ليجد "عباس" ومعه عشرات الرجال يحملون مشاعل نار تتراقص في الظلام، ويرددون بصوت جماعي مخيف يهز القلوب:
​"النداهة سكنت عقل الغريب.. الكفر هيتخرب وهتغرق الأرض.. ارحل يا بشمهندس قبل ما يطولك الأذى.. ارحل قبل ماتغرقك ميه السواقي!! 
​شعر ياسين بالخوف يتسلل لعموده الفقري، لكن كبرياءه منعه من الهرب. نظر نحو النيل  البعيد، فرأى طيفاً أسود يقف عند الساق
  وليل تقف امامها وبيدها بندقيه من طراز قديه مصنوعه يدويا ضربت عيار بالهواء 
ايقظ سكون الليل وبصوت عالي ابعد عنه ياعباس كفاياك غدر انت وسيدك وقوله مسير الحقيقه، تبان ومسير الحي يتلاقي 
وليل هتفضل حار سه سر السواقي 
اهتز قلب عباس ونظر لياسين وقال بنبره تهديد خلي بالك يامهندس عندنا رصاص طايش كتير بيصيب اللي ملو ش عازه وتركه وجمع رجاله وغادرو المكان 

تعليقات