
الفصل الاخير
ورده🌹
ساد الصمت في دوار الظلم" بعد رحيل ساره وحسام، صمتٌ ثقيل لم يقطعه سوى صوت أنفاس "ماهر" المتحشرجة. كان ينظر إلى جدران البيت التي بدأت تضيق عليه، وكأن حجارتها تمتص الضوء وتنفث عتمة ذنوبه. لم يكن يتخيل أن أبناءه -قطعة من قلبه- سيتركونه وحيداً يصارع أشباحه، مفضلين الفقر بكرامة على قصورٍ بُنيت من وجع اليتامى.
قطعت "فتحية" الصمت بخطواتها الواهنة، وعيناها تفيضان بمرارة السنين: "مبسوط دلوقتي ياماهر؟ حذرتك وقولتلك ابعد عن الأرض دي، الطمع عماك وخلاك متشوفش غير الفدادين، ودلوقتي؟ بقيت لوحدك.. الأرض مش هترجعلك ولادك، ولا هتمسح سواد اللي عملته. توب يا ماهر، توب قبل فوات الأوان ورجّع لوردة
وفجأة، انفتح الباب بقوة وكأن ريحاً صرصراً دخلت الدوار. وقف رجل ملثم، تلمع في يده أوراقٌ وفي الأخرى مسدسٌ بارد. ارتجف ماهر وهو يرى العيون التي طاردته في أحلامه: "قصري؟! أنت لسه عايش؟"
قال قصري بصوتٍ كحفيف الأفاعي: "أيوة عايش يا ماهر.. عايش بالرصاصة اللي سكنت جوفي يوم ما غدرت بيا بدل ما تكافئني. أنا اللي جيت آخد حق المظاليم. امضي على التنازل عن الفدان اللي وعدتني بيه، وبعدها اتشاهد على روحك!"
تظاهر ماهر بالانكسار: "هعمل اللي أنت عاوزه ياقصري، بس سيبني أعيش."
رد قصري بمرارة: "وعرفت إن الروح غالية دلوقتي؟ ليه مقولتش كدة وأنت بتقتل أم وردة بالسم؟ ليه مقولتش كدة وأنت بتدبر خطف بنت أخوك وقتلها؟ اللعبة انتهت يا ماهر.. امضي!"
وبينما كان قصري منشغلاً بالورقة، استل ماهر مسدسه المخبأ في طيات عباءته وصرخ بجنون: "أنا ماهر يا قصري.. اللي محدش يلوي ذراعه!"
دوت صرخة الرصاص في أرجاء الدوار، استقرت رصاصة ماهر في قلب قصري هذه المره لكن قبل أن يسقط الأخير، ضغط على زناده لتستقر رصاصته في صدر ماهر. سقط الاثنان، وتحولت الأرض التي تقاتلا عليها إلى بركة من الدماء التي لا تفرق بين ظالم ومنتقم
هرع الجميع إلى الدوار بعد سماع الرصاص. وصلت وردة، يتبعها حسام وفارس وسارة. ارتمت وردة على جسد عمها، ودموعها تغسل وجهه الشاحب: "عمي.. متسبناش ياعمي! أنت من ريحة أبويا، مهما عملت أنت دمي ولحمي.. كنت أتمنى تاخدني في حضنك وتداري عليا، بس الشيطان ضحك عليك."
فتح ماهر عينيه بصعوبة، ونظر لوردة بنظرة انكسار لم تعهدها: "سامحيني يا بنتي.. الأرض أخدتني منكم، والذنب أخد روحي. اطلبيلي السماح من ربك.. أنا.. أنا.."
لفظ أنفاسه الأخيرة ويده معلقة في الهواء، لم يأخذ معه فداناً واحداً، بل أخذ معه حسرة قلوب أبنائه ووزر الأنفس التي أزهقها.
بعد عام: إشراقة "دوار الخير"
مر عام كامل، تبدل فيه وجه الكفر. "دوار الظلم" القديم هُدمت جدرانه العالية التي كانت تحجب النور، وبُني مكانه مشفى مجاني ومدرسة ، تديرهما وردة وسارة، لتمسحا بهما ذكريات الألم.
ليلة العمر🌹🌹🌹❤❤❤
تحت ضوء القمر، أقيم حفل زفاف أسطوري. كان الكفر كله يرقص. حسام كان يرتدي عباءة والده بوقار، لكن بقلبٍ طهره الندم، وعيناه تلمعان بحب فاطمة التي كانت تبدو كزهرة برية أينعت في ربيع الصدق.
أما وردة، فقد كانت ملكة الحفل، ارتدت فستاناً أبيض ناصعاً وتاجاً مرصعاً بالأمل، بدت كـ "أميرة الثلج" وسط دفء القلوب. وبجانبها فارس، ببدلته السوداء ووقفته الشامخة، ينظر إليها وكأنها معجزته التي انتصر بها على العالم.
لم يبنِ حسام وفارس جدراناً عالية هذه المرة، بل بنيا "دوار الخير" الكبير، الذي صُمم بعدة أبواب تظل مفتوحة ليلاً ونهاراً. لم يعد الدوار مكاناً للمؤامرات، بل ملجأً لكل عابر سبيل، وملاذاً لكل محتاج.
ومرت السنوات، وامتلأ الدوار بضحكات الأطفال؛ أولاد وردة وفارس، وأبناء حسام وفاطمة، الذين كبروا على حكاية واحدة: "أن الأرض ملعونة إن سُقيت بالظلم، وجنةٌ إن زُرعت بالحب".
أما سارة، فكانت تقف في كل غروب عند النافذة، تمسك برباط قلبها وتنتظر عودة حازم، صديق أخيها، الذي وعدها بالعودة من سفره ليتم فرحتهما، لتكتمل لوحة العائلة التي تجمعت بعد شتات، وتعاهدت ألا يدخل الطمع قلوبهم أبداً.
تمت بحمد الله