رواية زوج للفصول الأربعة الفصل الرابع4 الاخير بقلم ملكة الحكايات

رواية زوج للفصول الأربعة الفصل الرابع4 الاخير بقلم ملكة الحكايات
​مرت ثلاثة أسابيع على "تراجيديا الممر الضيق" وعملية الهروب الكبير. عاش وسيم خلالها أياماً ملوكية لم يحلم بها قط؛ فالقهوة المظبوطة تصله إلى سريره بتوقيت الشتاء، والمحشي الساخن يُقدم له بحرارة الصيف، وقصائد الحب الخريفية تُتلى على مسامعه بهدوء، بينما أزهار الربيع تملأ أرجاء جناح نومه!
​كان وسيم يجلس على أريكته الفاخرة، يرتدي رداءً حريرياً كحلياً، ويهز قدمه باستعلاء وهو يتأمل الفيلا الهادئة، ثم قال لنفسه بنبرة مقتنعة:
​"آه يا وسيم يا عبقري.. أثبتت التجربة أن الدراما هي السلاح الفعال للسيطرة على النساء! شوية دموع، على حركة احتضار بسيطة.. تصبح ملكاً متوجاً على الفصول الأربعة!"
​ولكن.. وكما يقول المثل: "تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن"!
​في تمام الساعة العاشرة صباحاً، وبينما كان وسيم يرتشف القهوة بثقة، دخلت الزوجات الأربع إلى الصالة المركزية.
​لم تكن أي منهن تحمل مغرفة، ولا دفتر عقوبات، ولا حتى وردة! بل كن يمشين بخطوات بطيئة، وأوجههن تحمل ملامح واحدة مشتركة: الارتباك، والتعب، والدوخان العجيب!
​استغرب وسيم منظرهم، وضع فنجان القهوة على الطاولة وقال بابتسامة:
​"خير يا فصولي الأربعة؟ مالكم طالعين شكلكم عامل زي النشرة الجوية بعد النوة؟ فين الفطور الملوكي بتاع النهاردة؟"
​جلست حبيبة (الصيف) على أقرب كرسي وتنهدت بتعب شديد:
​"فطور إيه يا وسيم.. أنا مش قادرة أشم ريحة الأكل من الصبح! حاسة بغثيان مش طبيعي!"
​قفزت صفاء (الخريف) وفمها معقود، وركضت نحو الحمام مسرعة وهي تمسك بطنها!
​أما نشوى (الربيع)، فجلست بجانب وسيم ووضعت رأسها على كتفه بدلع ووهن:
​"وسيييم.. أنا فجأة بقى نفسي أأكل مخلل لفت ورنخة مع شوكولاتة بالبندق! هاتلي منها فوراً!"
​وهنا.. رفعت تهاني (الشتاء) دفترها، ولكن هذه المرة لم يكن دفتر عقوبات، بل كان تقريراً طبياً! وقالت بنبرة جليدية اخترقتها رشة من الصدمة:
​"وسيم.. بناءً على الأعراض المتشابهة، والتحاليل المبدئية التي أجريناها جميعاً صباح اليوم.."
​بلع وسيم ريقه، وقام واقفاً ببطء شديد، وعيناه تتسعان برعب جديد:

​"تحاليل إيه؟ أوعوا تقولوا إنكم أصبتوا بـ 'حساسية المناخ' بسبب التكييفات؟!"
​أغلقت تهاني التقرير وقالت بجفاف:
​"لأ يا وسيم.. الفصول الأربعة كلهم.. حوامل في نفس الشهر!"
​سكت الكلام.. توقفت الأرض عن الدوران.. وسقط فنجان القهوة من يد وسيم على السجادة ليتحطم إلى مائة قطعة!
​تراجع وسيم للخلف وهو يشير بإصبعه المرتعش نحو كل واحدة منهن:
​"حـ.. حوامل؟! كلكم؟! الأربعة في نفس التوقيت؟!"
​صرخت حبيبة: "أيوه يا وسيم! الصيف هيجيب لك ولي العهد!"
وقالت صفاء وهي تخرج من الحمام متباكية: "والخريف سينجب لك طفلاً درامياً يبكي ليل نهار!"
وابتسمت نشوى: "والربيع هيجيب لك كتكوت صغيورة تلبس وردي!"
وأكدت تهاني: "والشتاء أعد لك حسابه المالي المسبق لمصاريف الحفاضات والولادة!"
​وقع وسيم على الأريكة بذهول كلي، وحسبها في عقله سريعاً:
أربعة أطفال في نفس الوقت.. أربع مستشفيات.. أربع صرخات في منتصف الليل.. أربع ميزانيات حفاضات وعلاجات واشياء معقدة!
​أ مسك رأسه بيديه وصرح بصوت هز الفيلا:
​"أربعة أطفال مرة واحدة؟! ده مش استقرار مناخي.. ده هجوم كوارث طبيعية! أنا هيجيلي الانحباس الحراري في جي وفي عقلي!"
​مرت أربعة أشهر.. وتحولت الفيلا إلى ساحة "توحم جماعي" تتحدى قوانين الطبيعة!
​كان وسيم يركض ليلاً في شوارع المدينة كالفيزياء المجنونة:
​يشتري لحبيبة "بطيخ" في منتصف الشتاء لأن "الصيف" يشتهيه!
​ويحضر الصفاء "منجا" باهتة ليلاً كي تبكي عليها وتتذكر أيام الشباب!
​ويدوّر لتهاني على "أيس كريم بالنعناع" في أشد الأيام حرارة لأن الشتاء يطلب التجميد!
​ويحضر لنشوى "غزل بنات وردي" من آخر الدنيا!
​وفي ليلة هادئة، كان وسيم يجلس في الحديقة، مشعث الشعر، بملابس منزلية بسيطة، يحمل كيس حفاضات في يد، وبزازة أطفال في اليد الأخرى، ويبدو عليه التعب الشديد بعد أن لبى طلبات التوحم الأربعة!
​أنضمت إليه الزوجات الأربع.. وجلسن حوله في الحديقة ببطونهن الممتلئة، والنظرات بينهن أصبحت مليئة بالحب والضحك.
​قربت حبيبة منه بكوب شاي دافئ:
​"اشرب يا وسيم.. تعبت معانا النهاردة يا أبو العيال."
​ومسحت صفاء جبهته بنعومة:
​"ارتاح يا حبيبي.. لقد انقضت أيام الجفاء، وبدأت أيام الأمومة."
​وابتسمت نشوى: "أنا خلاص مش عاوزة أروح هولندا.. وجودك جنبنا وأنت بتجيب اللفت أحلى من التوليب!"
​وقالت تهاني وهي تمزق دفتر العقوبات القديم أمام عينيه:
​"تم إلغاء كل العقوبات السابقة.. وشطب الديون. أنت أثبت أنك زوج وأب حقيقي يا وسيم."
​تطلع وسيم إلى وجوههن الأربعة.. ورغم التعب والمصاريف والركض ليلاً، شعر بدفء غريب يملأ قلبه. ابتسم ابتسامة حقيقية هادئة، وأخذ كوب الشاي، ثم قال:
​"عارفين يا بنات؟ أنا صحيح اتجننت، وجيبي أتمسح، وظهري اتكسر من كثرة الشيل والتوصيل.. بس اكتشفت حاجة مهمة جداً."
​سألنه جميعهن بصوت واحد: "إيه هي يا وسيم؟"
​نظر وسيم إلى السماء الصافية، ثم نظر إليهن وقال بنبرة مفعمة بالحكمة والكوميديا:
​"اكتشفت إن الحياة من غير تقلبات المناخ دي ملهاش طعم! الحرارة بتعلمنا الصبر، والخريف بيعلمنا الرقة، والبرد بيخلينا نقرب من بعض، والربيع بيدينا الأمل.. والأربعة مع بعض؟ بيعملوا أحلى 'بيت' في الدنيا!"
​ثم التفت وسيم إلى المتابعين، وغمز بعينه بابتسامته الساحرة المعهودة قائلاً:
​"زوج الأربعة بفصول أربعة.. تجربة لا ننصح بها أصحاب القلوب الضعيفة أو الجيوب الفارغة! بس طالما فيها حب وصبر.. يبقا كل الفصول بتعدي بسلام!"
​وعاشت الفيلا بعد ذلك في مزيج عاصف ولطيف من ضحكات الأطفال، وصرخات التوحم، ودعوات وسيم التي لا تنتهي بأن يُعينه الله على "النشرة الجوية" الجديدة!
                      تمت بحمد الله 

تعليقات