
الفصل الرابع:
النداهه
وانين السواقي
ساد صمتٌ جنائزي بعد كلمات "ليل" الأخيرة، صمتٌ لم يقطعه سوى أنين الساقية التي بدت وكأنها ترثي صاحبها القديم. نظر ياسين إلى تروسها الخشبية الضخمة، لم يعد يراها مجرد آلة ري، بل رآها زنزانةً تضم رفات مهران وسره العظيم.
في تلك الأثناء، كان الشيخ عمران يجلس في غرفته" الواسعه يرتشف قهوته المرة ببرود، بينما كان "عباس" يقف أمامه ككلب صيد ينتظر الإشارة.
عمران بنبرة فحيح: "المهندس ده قلبه ميت يا عباس، والبت الغجرية دي بدأت تفتح عينيه على حاجات اندفنت من سنين. الساقية دي لازم تتهد، والبت لازم تختفي.. الكفر ده ملوش غير كبير واحد."
عباس بطاعة عمياء: "رجالي جاهزين يا جنابو، جرارات الجاز والمشاعل في المخزن. ليلة غبرة هتقوم في الكفر، والكل هيفتكرها قضاء وقدر.. أو لعنة من لعنات النداهة."
بينما كان عمران يخطط، كانت ابنته "بدرية" تقف خلف الباب، تستمع بقلبٍ ممزق بين حبها المفاجئ لـ "ياسين" المهندس الأنيق، وبين ولاءها لوالدها
عند الساقية، كانت ليل ترقب الأفق بعيني صقر. فجأة، شقت صرخة "بومة" هدوء الليل، وهي الإشارة التي يعرفها أهل الكفر لبدء الشر.
رأت ليل خيالات تتحرك بين أشجار الجميز، وبريق المشاعل يقترب.شعرت بخطر رقدت الي استراحه يسين لتحذره
ليل بحدة: "اهرب يا بشمهندس! عباس ورجاله جايين يحرقوا الأخضر واليابس. الساقية دي غالية عندي، بس حياتك أغلى."
ياسين بإصرار: "مش هسيبك يا ليل. أنا جيت هنا عشان أبني وأصلح، مش عشان أشوف الظلم بيحرق الأرض."
لم تمر لحظات حتى انطلقت أول شعلة لتستقر فوق سقف الكوخ القشي. اشتعلت النيران، وتصاعد الدخان ليغطي النجوم. ظهر عباس وهو يضحك بنبرة هستيرية، ومن خلفه ثلة من المأجورين
وسط النيران المتصاعدة، لاحظ ياسين شيئاً هندسياً غريباً. النار عندما اقتربت من "محور الساقية" الأساسي (العمود الفقري للساقية)، لم تشتعل الخشبة الكبيرة، بل بدأ يفوح منها عطرٌ غريب يشبه ريح "السنط" المعتق.
تذكر ياسين جملة ليل: "أبويا دفن السر في قلب الساقية".
بفكر المهندس، أدرك أن مهران لم يدفن الورق في الطين، بل قام بتجويف المحور الخشبي وصناعة "خزنة خشبية" مخفية، مطلية بمواد عازلة للحرارة كان يبرع فيها قدامى الصناع.
صاح ياسين: "ليل! احميني بظهرك.. السر مش في الأرض، السر جوه خشب الساقية نفسه!"
اندفع ياسين نحو التروس المشتعلة، غير مبالٍ بلسعات النار. بدأ يحرك "الترس القائد" بطريقة عكسية، تماماً كما وصفت ليل ليلة موت أبيها.
في تلك اللحظة، تحول المشهد إلى ساحة حرب. عباس صرخ في رجاله: "خلصوا عليه!" ورفع مشعله ليقذفه على ياسين، لكن "ليل" كانت أسرع، أطلقت طلقة من بندقيتها العتيقة أصابت "قلة" ماء بجانب عباس، فتناثرت الشظايا في وجهه.
وفجأة.. وبدون تدخل بشري، دارت الساقية بسرعة جنونية!
أصدرت الأخشاب صريراً مرعباً يشبه عويل البشر، واهتزت الأرض تحت أقدام المهاجمين. خاف الرجال وتراجعوا، ظناً منهم أن "النداهة" قد استيقظت لتنتقم لمهران.
بيدين مرتجفتين، ضغط ياسين على نتوء خشبي مخفي في قلب المحور، فانزلق جزء من الخشب ليظهر تجويف مبطن بالجلد. سحب منه لفة أوراق قديمة، ملفوفة بعناية في قماشٍ لا يبلله ماء
تراجع عباس ورجاله وهم يجرون أذيال الخيبة بعد أن أصابتهم لعنة الخوف، بينما انطفأت النيران تدريجياً أمام صمود الساقية.
جلس ياسين وليل على الأرض، والرماد يغطي وجهيهما. فتح ياسين اللفة الجلدية تحت خيوط الفجر الأولى، ليتسع بؤبؤ عينيه ذهولاً:
عقود أصلية برقم سجل قديم: تثبت أن نصف أراضي الكفر تعود لـ "مهران" وورثته ولعائلات الغلابة.
خريطة مساحية: توضح أن عمران زحف بعقود وهمية على أراضي الدولة والناس.
مفاجأة كبرى: خطاب بخط يد عمران القديم، يهدد فيه مهران بالقتل إذا لم يسلمه الخريطة!
ياسين وهو يلهث: "الأوراق دي كفيلة تطير رقبة عمران وتبني الكفر من جديد.. إنتي مش نداهة يا ليل، إنتي حارسة الحق."
بينما كان ياسين وليل يخططان للذهاب إلى "المركز" لتسليم الأوراق، كانت "بدرية" تراقبهما من بعيد بمرارة. هي الآن تملك خيارين: إما أن تسرق الأوراق لتنقذ أباها، أو تساعد ياسين لتكسب قلبه.
في القصر، كان عمران يلقم سلاحه، وعيناه حمراوان من الغل، بعد أن بلغه خبر فشل عباس.
عمران: "لو الساقية ما حرقتهمش.. الرصاص هيخرسهم."
فهل سيتمكن ياسين وليل من عبور الطريق الي الشرطه
ام سيوقفهم عباس وياخذ الخريطه