
نداء السواقي!
كان ليل "كفر السواقي" يختلف عن أي ليل آخر؛ فالسواد فيه لم يكن مجرد غياب للشمس، بل كان ثوباً ثقيلاً يلف البيوت الطينية المترصة على ضفة النيل، وكأنها تخاف أن يبتلعها النهر في غفلة من الزمن. في هذا الكفر، كانت الأسطورة تمشي على قدمين، والهمس عن "النداهة" هو الحديث الوحيد الذي يجرؤ الرجال على تبادله خلف الأبواب الموصدة.
على حافة النهر، حيث تنبت أشجار الجميز العتيقة وتتشابك أغصانها كأصابع شياطين تحاول الإمساك بالقمر، كان هناك كوخٌ صغير، متهالك، يظنه العابرون من بعيد بقايا مركب غرق منذ دهر. لكن من يقترب –وهو ما لم يفعله أحد منذ سنوات– سيسمع صوتاً ليس من هذا العالم.
توقفت السواقي القديمة عن الأنين لثوانٍ، وكأن خشبها العجوز ينصت بوقار. انطلق صوت "ليل"؛ رخيم، دافئ، ومشبع بوجع لا يسعه صدر بشر. كانت تغني للموج:
"يا بحر النيل يا غدار.. خدت الحبايب وسبت الدار..
أنا اللي ناديت والصدى رد.. لا ليا أهل ولا خلّ ولا ودار.."
كانت "ليل" تجلس على صخرة ملساء، شعرها الغجري الثائر يغطي كتفيها، وعيناها الواسعتان الكحليتان تعكسان ضوء القمر كمرآة مسحورة. لم تكن جنية كما يشاع، بل كانت ابنة الوجع التي طردتها الحياة فاستجار بها النهر.
في تلك اللحظة، وعلى متن مركب صغير يتهادى ببطء، كان "ياسين" يقف مشدوهاً. ياسين، المهندس الشاب الذي جاء من صخب القاهرة بتكليف رسمي لإصلاح منظومة الري والسواقي في الكفر، كان يحمل في حقيبته خرائط وكتباً في الفيزياء والهيدروليكا، لكنه لم يجد في كل كتبه تفسيراً لهذا الرعشة التي سرت في جسده حين لامس صدى صوتها أذنيه.
"يا حاج مرسي، إيه الصوت ده؟" سأل ياسين بصوت خفيض وهو ينظر نحو الكوخ المهجور.
ارتجفت يد العجوز مرسي وهو يمسك بمجداف المركب، وهمس برعب: "استعيذ بالله يا بشمهندس.. ده نداء السواقي. دي النداهة اللي بتخطف القلوب وتوه العقول. غمض عينك وسد ودنك، إحنا مش قد سحرها."
ضحك ياسين ضحكة باهتة حاول بها مداراة خوفه الفطري: "نداهة إيه يا حاج؟ ده صوت بني آدمة، وصوتها فيه حزن يهد جبال، مش سحر."
"البعد عنها غنيمة يا ولدي،" رد مرسي بإصرار وهو يسرع بالتجديف، "الشيخ عمران، كبير الكفر، حذر الكل.. اللي يقرب من الساقية المهجورة دي، كأنه بيحفر قبره بإيده."
في الناحية الأخرى من الكفر، داخل "دوار" واسع تتصاعد منه رائحة البخور والقهوة المرة، كان الشيخ عمران يجلس على مقعده الوثير، يداعب سبحته الكهربائية وعيناه تلمعان بمكرٍ دفين. لم يكن عمران يخشى النداهة، بل كان يخشى "الحقيقة" التي تخفيها ليل.
دخلت ابنته "بدرية" وهي تحمل صينية القهوة، كانت ملامحها جميلة بحدة، وفي عينيها كبرياء يختلط بالغيرة. "يا بوي، المهندس الجديد وصل الكفر، ومرسي بيقول إنه وقف يسمع غُنا الغجرية اللي ع الشط."
توقفت سبحة عمران فجأة. انقبضت أسارير وجهه وقال بنبرة غليظة: "ياسين ده جاي لشغل وبس. لو فكر يقرب من الساقية القديمة، أو يصدق حكايات الغجرية، يبقى جاب لنفسه التعب. الأرض دي تحتها كنوز يا بدرية، والبت دي واقفة زي الغراب بتحرس اللي مش حقها."
"بس الناس بتخاف منها يا بوي، بيقولوا إنها بتسحر الرجالة،" قالت بدرية بحقد وهي تفكر في وسامة المهندس الشاب التي سمعت عنها.
رد عمران بابتسامة صفراء: "الخوف هو اللي بيخلي الناس تسمع كلامي. خليها هي 'النداهة' في نظرهم، عشان محدش يجرؤ يسأل الأرض دي فيها إيه. بس المهندس ده.. لازم عينه تتكسر من أول يوم."
بينما كانت المؤامرات تُحاك في الدوار، كان ياسين قد نزل من المركب واتجه إلى استراحة قديمة مخصصة للموظفين. لم يستطع النوم. فتح نافذته المطلة على النيل، كان الهواء يحمل رائحة الطمي والنعناع البري، وصوت ليل لا يزال يتردد في خياله.
أخرج مفكرته وكتب جملة واحدة: "في كفر السواقي، الفيزياء تعجز أمام النغم، والخرائط لا تدل على القلوب."
قرر ياسين في تلك الليلة أنه لن يبدأ عمله بالرسومات الهندسية، بل سيبدأ بفك شفرة ذلك النداء الذي حبس أنفاس الكفر لسنوات. لم يكن يعلم أن خطوته الأولى نحو الساقية المهجورة، ستفتح أبواب جهنم على "ليل"، وستجعله هو نفسه "الذبيحة" القادمة في صراع الطمع والدم.
ومع اقتراب الفجر، توقف الغناء، وحلّ صمتٌ مخيف، وكأن النيل يجمع أنفاسه قبل العاصفة التي ستقتلع جذور كفر السواقي.
يتبع