
ليلى فضلت واقفة في مكانها، عينيها بتتحرك برعب بين لعبة القطار الخشب اللي في إيد أخوها الصغير "ياسين"، وبين الخريطة المقصوصة اللي على الترابيزة.
صوت صفير القطار المبحوح كان لسه بيرن في ودنها وكأنه جاي من عالم تاني.
حاولت تبلع ريقها وتتحكم في رعشة إيدها، وطت لمستوى ياسين وأخدت منه اللعبة براحة: "يا حبيبي بابا لسه مسافر، بس اللعبة دي صَفّرت عشان.. عشان الهوا بره شديد ودخل من الشباك.
يلا ادخل نام وأنا هجيلك أغطيك."
ياسين هز راسه ببراءة ودخل أوضته.
أول ما الباب اتقفل، ليلى جِريت على المطبخ، جابت مفك صغير وقعدت تحت إضاءة أباجورة الصالة. بدأت تفتح بطن القطار الخشب وهي بتتنفس بسرعة.
أول ما غطا اللعبة اتفك، سقطت منها ورقة صغيرة جداً، ملفوفة زي السيجارة ومربوطة بسلك نحاس!
فكت الورقة وقرت المكتوب، خط باباها!
ليلى تعرف الخط ده كويس جداً، كان كاتب: (لو قريتي الورقة دي يا ليلى، يبقى العداد بدأ.. متثقيش في حد من عيلتنا، السر في دفتر الحسابات القديم لسنة 2023.. المخزن مش مهجور يا بنتي، المخزن فيه..)
الجملة مكملتش، وكأن حد شد منه القلم بعنف، وفي آخر الورقة رقمين بس: "03:00".
ليلى بصت لساعة الحيطة.. كانت 2:45 فجراً. ربع ساعة والساعة تيجي تلاتة!
في نفس اللحظة، تليفون البيت الأرضي رن!
صوت الرنين في وقت زي ده كان زي ضربات الساطور. ليلى مشت ببطء ناحية التليفون، رفعت السماعة وإيدها عرقانة:
"ألو؟"
مفيش صوت..
غير نفس حاد ومتقطع، وبعدين صوت راجل عجوز بس نبرته خبيثة ومألوفة جداً: "شاطرة يا ليلى.. فكيتي شفرة القطار بسرعة، طالعة لأبوكي بتفهميها وهي طايرة.. قدامك عشر دقائق، لو منزلتيش المخزن دلوقتي، ياسين مش هيصحي الصبح."
"أنت مين؟! بابا فين؟!" ليلى صرخت بدموع، بس الخط قطع وساب وراه صوت الصفير البارد.
ليلى مبقتش شايفة قدامها، الخوف على أخوها عَمى عينيها.
لبست جاكت أسود وبوت بسرعة، وأخدت الخريطة والموبايل في جيبها، وبصت بصه أخيرة على أوضة ياسين ومامتها اللي كانت نايمة من التعب ومحستش بحاجة.
فتحت باب الشقة ونزلت السلم جري وهي مش سامعة غير دقات قلبها.
الشارع بره كان غرقان في مطر ومفيش صريخ ابن يومين.
الهوا كان بيصفر، واللمبات بتاعة العواميد بتموت وتصحي.
ليلى مشت وهي بتلتفت وراها كل خطوة، حاسة بإن الشوارع اللي حافظاها من صغرها بقت غريبة ومخيفة.
وصلت لآخر الشارع عند المخزن القديم.. مبنى صاج قديم ومصدي، كان باباها بيشرف فيه على بضائع شركة الاستيراد قبل ما يختفي. الباب الحديدي الكبير كان مقفول بجنزير ضخم، بس المفاجأة......
الجنزير كان مقطوع والنار لسه معلمة فيه، كأن حد قاصه بنار حالا!
سحبت الباب براحة، عمل صوت تزييق يقشعر الجسم.
دخلت ووجهت كشاف الموبايل.. المكان جوه كان عبارة عن صناديق خشبية قديمة متقمشة، وتراب مغطي كل حاجة.
فجأة كشاف الموبايل جاب حاجة في آخر المخزن.. ترابيزة مكتب باباها القديمة! ليلى قربت بخطوات مرعوبة، لقت على المكتب "دفتر الحسابات لسنة 2023" اللي باباها ذكره في الورقة! الدفتر كان نضيف ومفهوش تراب، كأن في حد لسه حاطه حالا.
فتحت الدفتر بسرعة وبدأت تقلب الصفحات.. لحد ما وصلت لصفحة شهر أبريل 2023، لقت اسم مكتوب بالخط العريض ومحطوط حواليه دايرة حمراء بالدم......
الاسم كان: (الحاجة صفاء.. والدة ليلى) وجنبه مبلغ مالي ضخم جداً وتحته كلمة: "ثمن السكوت".
ليلى وقفت مصدومة، دموعها اتجمدت في عينيها: "ماما؟! ماما ليها علاقة باختفاء بابا؟"
وقبل ما تستوعب الصدمة، سمعت صوت قفل الباب الحديدي الخارجي للمخزن بيتجفل من بره بعنف! وتككك.. صوت قفل الجنزير!
المخزن بقا ضلمة كحل، وصوت خطوات رجلين تقيلة جداً بدأت تتحرك فوق السقف الصاج للمخزن.. الخطوات كانت بتقرب من الفتحة اللي فوق راس ليلى بالظبط!
وفجأة..
الموبايل في إيدها اتهز، وصوت رسالة صوته وصلت لها من رقم مجهول.. فتحتها وهي بتترعش، وجالها صوت ياسين أخوها الصغير وهو بيبكي ويصرخ: "ليلى الحقيني.. في حد في الأوضة بياخدني!"