
ليلى وصلت للمنطقة الجبلية المقطوعة لوحدها. البيوت القديمة المهجورة كانت شبه أشباح واقفة في الضلمة تحت سياط المطر اللي مكنش بيرحم، وصوت البرق كان بيكشف للحظات عن تفاصيل الخرابة المرعبة دي.
ليلى كانت بتلف حوالين نفسها، ماسكة كشاف الموبايل بإيد بترتعش، لحد ما لقت مدخل السرداب السري؛ فتحة هابطة في الأرض خارج منها تيار هواء بارد بريحة بخور.
أخدت نفس عميق، ونزلت السلالم الحجرية وهي بتسمع صوت خطواتها بيصوّت في المكان.
السرداب المرة دي كان أوسع بكتير، الحوائط مبنية بصخور سوداء ضخمة، وفي آخره كان فيه ضوء نار خافت جاي من شموع حمراء مرصوصة بشكل مريب.
مشت بخطوات بطيئة وهي حاطة إيدها في جيبها، ضاغطة على الخاتم الفضة كأنه طوق النجاة الأخير ليها.
لما وصلت للصالة الكبيرة تحت الأرض، المكان كان يصدم؛ صناديق خشبية قديمة مفتوحة، تماثيل ذهبية مرعبة لملوك قدامى بتلمع تحت ضوء الشموع، وفي النص.. كانت الصدمة اللي شلت حركتها!
مامتها كانت مربوطة على كرسي خشب، فيه حبل لافف حوالين جـسمها، وبوقها مكتوم بقماشة سوداء، وعينيها كانت حمراء من كتر العياط والدموع نازلة على وشها.
أول ما شافت ليلى، بدأت تتهز على الكرسي وتطلع أصوات مكتومة وبتشاور ببراسها بجنون بمعنى: "اجري يا ليلى.. اهربي!"
ليلى جريت عليها بانهيار: "ماما! أنتي كويسة؟.."
قبل ما تلمس الحبل، ظهر ظل طويل جداً وضخم من وراء التماثيل اليدوية، وصوت خطوات حذاء كان بيرن على الصخر ببرود .
صدى صوت ضحكة هادية وواثقة ملى المكان، ونبرة الصوت دي كانت مألوفة جداً ل ليلى.. نبرة هزت كيانها.
الشخص قرب من ضوء الشموع، وقلع النظارة السوداء ببطء، وقال بابتسامة نذالة:
"كنت عارف إنك هتيجي لوحدك يا بنت الدكتور.. وفاءك لأمك والشجاعة الغبية اللي أخدتيها من أبوكي هي اللي سلمتني الخاتم الأخير."
ليلى رجعت لورا وصوتها اختفى من الصدمة: "دكتور عادل؟! أنت؟! الصديق المقرب لبابا.. اللي كنت بتدخل بيتنا وتأكل معانا؟ أنت الزعيم؟!"
عادل ضحك بجنون: "أبوكي هو اللي بدأ اللعبة يا ليلى! افتكر نفسه أذكانا لما خبى الخاتم والشفرة في الطرد، وافتكر إنه يقدر يهرب بالآثار لوحده..
شريف ومحمود كانوا مجرد عرايس في إيدي، كلاب فلوس بحركهم بالريموت عشان يخلصوا المهام الوسـخة، لكن العقل المدبر الحقيقي واقف قدامك دلوقتي.
والورقة اللي لقيتيها في المستشفى؟ أنا اللي كتبتها عشان أصفي طارق لما بدأ يلعب لحسابه!"
ليلى صرخت وهي بتمسح دموعها وقالت بقوة: "الشرطة بره ومحاصرة الجبل كله يا عادل.. أنت انتهيت!"
عادل قرب منها خطوتين وعينيه بقت حادة زي الموس، وطلع طبنجة سوداء من جيبه ووجهها لراسها وقال بسخرية: "الشرطة بره؟ ههه.. الجاسوس بتاعي جوه المديرية بلغني بكل حاجة، والشرطة بره دلوقتي بتقع في فخ أنا مرتبه لهم بره الجبل.. وطارق حبيبك؟ طارق فاق من الغيبوبة من ساعتين، ونزل زي المغفل مع القوات بره عشان يلحقك، ودلوقتي زمانه بيلفظ أنفاسه الأخيرة!"
وفي نفس اللحظة.. دوت في المكان أصوات ضرب نار غزير وانفجارات مرعبة جاية من بره السرداب، لدرجة إن السقف الصخري بدأ ينزل منه تراب، وصوت صراخ العساكر كان مسموع بوضوح هز قلبها!