
طلعت الشمس فوق النجع، وزقزقة العصافير بدأت تملى المكان، والدار عند عثمان علام كانت قايدة بالحركة من النجمة. النسوان اتجمعوا في الحوش، والجدور الكبيرة اتحطت على النار، والكل مستني طلعة "العروسة".
جوه الأوضة، كانت زينة صاحية من جبل الفجر. غسلت وشها بمية باردة كأنها بتغسل وجع كلمات سالم اللي رماها في وشها بليل. بصت للمراية، وشافت عينها السليمة بتلمع بتحدي، والتانية مغمضة بسلام. لبست توب "الصباحية" اللي لونه أحمر قاني ومطرز بالصرمة الدهبي، وحطت كحل خفيف، ورسمت على وشها ابتسامة لو شافها حد يجول إنها أسعد بنية في الدنيا.
سالم كان لسه نايم، أو عامل نفسه نايم، وشه في الناحية التانية. زينة مكلمتوش ولا عتبت عليه، سابته في نومه، وفتحت باب الأوضة وطلعت.
أول ما رجلها خطت برة الأوضة، كانت "ستيتة" أم سالم واقفة في الصالة ومعاها خالاته وعماته. الكل سكت وبصوا لها بلهفة وترقب.
ستيتة بلهفة وفرحة:
يا صباح القشطة واللبن الحليب! نورتي الدار يا ست البنات، يا جدم السعد علينا.
زينة مالت على يد ستيتة وباستها بكل أدب، ورفعت راسها بابتسامة صافية وزعت منها على كل الموجودين.
زينة:
صباح الخير والرضا يا أماي. الدار منورة بيكي وبأهلها. تسلمي لي على الترحيب الزين ده.
خالة سالم بتفرس في وشها:
ما شاء الله يا زينة، وشك منور وكأنك شربتي من مية الورد. كيف حالك يا بنتي؟ وكيف حال عريسنا الغالي؟
زينة بثبات لا يهتز:
الحمد لله في نِعمة وفضل من ربنا. سالم لسه نايم، الليل كان طويل والحديت مخلصش، سيبته يرتاح شوية عشان عارفة إن النجع كله هيجي يبارك له النهاردة.
جالت الجملة دي وهي بتبص في عيونهم بكل ثقة، لدرجة إن النسوان اللي كانوا جايين يتفرسوا في "البنت المعيوبة" رجعوا لورا بخجل من هيبتها. زينة مأكتفتش بكدة، دخلت المطبخ وبدأت تساعدهم في رص أطباق الفطار.
بعد شوية، طلع سالم من الأوضة. كان شعره منكوش وعيونه وارمة من قلة النوم، وكان متوقع يلقى زينة قاعدة بتعيط في ركن، أو يلقى وشها مكسور قدام أهله. لكنه انصدم لما شافها واقفة في وسط الحوش، بتضحك مع عماته وبتناولهن أطباق الفطير المشلتت والعسل.
سالم وقف مكانه متنح. زينة لمحته، وبكل برود وثقة، جربت منه.
زينة:
صح النوم يا عريس. نمت كتير والناس مستنية تبارك لك. ياللا يا سالم، الفطار چاهز بيدك، وأنا عملت لك القهوة اللي بتحبها زي ما جلت لي بليل.
سالم بص لها بذهول، عيونه كانت بتسأل:
كيف؟ كيف بتمثلي الدور ده بكل القوة دي بعد اللي جولتهولك؟
لكن زينة غمزت له غمزة خفيفة بعينها السليمة وكأنها بتقوله: أنا زينة، وزينة مابتتكسرش قدام حد.
عثمان دخل الحوش وصوته مالي المكان:
صباحية مباركة يا ولدي! صباحية مباركة يا بنتي! الدار نورت بصاحبتها؟
سالم بلع ريقه، وبص لزينة اللي كانت واقفة جنبه مبتسمة ومنتظرة رده. لقى نفسه غصب عنه بيجول:
نورت يا بوي. نورت وزادت نور بوجود زينة.
نبوية أم زينة اللي لسه واصلة:
يا جلب أمك يا زينة! طمنيني يا بنتي، إنتِ زينة؟
زينة جريت على حضن أمها وباستها، وجالت بلهجة كلها رضا:
أنا زينة جوي يا أماي. سالم شالني فوق راسه، وعوضني عن كل حاجة. اطمني، بنتك في يد راجل صان الأمانة من أول ليلة.
سالم كان واقف بيسمع الكلام، وحاسس بضربات قلبه بتزيد. البنت دي مش بس قوية، دي ست بتعرف تحمي دارها وراجلها حتى وهو كاسر بخاطرها. حس بصغر حجمه قدام جمال روحها اللي كان بيشع في المكان، وأدرك إن الابتسامة دي كانت أعظم رد على كلامه الواعر بتاع بليل.
طول اليوم، كانت زينة هي النجمة. بتضايف ده، وتضحك مع دي، وتخدم الكل بنفس راضية. والكل كان بيتحاكى بأدبها وهيبتها، وسالم كان بيراقبها من بعيد، وبدأ يحس إن الغصب اللي كان حاسس بيه، بدأ يتحول لشيء تاني خالص.. شيء يشبه الانبهار.
زينة مكنتش بتمثل عشان سالم، كانت بتثبت لنفسها وللنجع كله إن النقص مش في العين اللي انطفت، لكن النقص في القلوب اللي مابتشوفش الكرامة. ومع كل ضحكة كانت بتضحكها، كانت بتدق مسمار في نعش كبرياء سالم المغرور.
……
مرت الأيام وسالم عايش في صراع داخلي، بيحاول يهرب من نظرات زينة اللي بتلاحقه في كل ركن في الدار، نظرات مفيهاش عتاب، لكن فيها قوة بتكسر كبريائه كل يوم أكتر. وفي ضهرية يوم حامي، ركب سالم حصانه عنتر وهو محمل بغضب الدنيا، وكأن الحصان حاسس بنار صاحبه.
انطلق سالم بعنتر في وسط الخلاء، كان بيجري بسرعة جنونية، مكنش بيجري من حد، كان بيجري من نفسه. وفجأة، الحصان اتكعبل في جحر ديب مستخبي تحت الرمل، وصهل صرخة شقت السما، واترمى سالم من فوقه طيرة واعرّة، وقع على ضهره فوق صخرة ناشفة كانت مدفونة في التراب.
مرت ساعات، لغاية ما لجيوه ناس من النجع مرمي وغايب عن الوعي. شالوه وودوه الدار والخبر نزل كأنه صاعقة.
عثمان كسر العمة بتاعته من الحزن، وستيتة صرختها جابت آخر النجع، أما زينة.. فكانت الوحيدة اللي واقفة صلبة، رغم إن قلبها كان بيتقطع.
جابوا الحكيم من البندر، وبعد ما كشف على سالم وهو مرمي زي الجثة الهامدة، طلع ووشه متغير.
عثمان بصوت مخنوق:
طمنا يا دكتور، ولدي سالم جراله إيه؟ هينطق مِتا؟
الدكتور بأسى:
يا حاج عثمان، سالم حصل له كسر في العمود الفقري. الوقعة كانت واعرّة جوي وجت على النخاع. سالم فاق من الغيبوبة، بس للأسف. رجليه مش هتحمله تاني. سالم انشل يا حاج.
الكلمة نزلت على الدار خلت الحجر ينطق. ستيتة وقعت من طولها، وعثمان سند ضهره على الحيطة وهو بيبكي بدموع حارة لأول مرة في حياته. زينة كانت واقفة ورا الباب، سمعت الحديت، غمضت عينها السليمة بقوة وكأنها بتبلع الوجع، وبعدين دخلت الأوضة عند سالم.
كان سالم صاحي، باصص للسقف وعيونه ميتة، دموعه نازلة على خدوده بصمت. الراجل اللي كان بيتباهى بطوله وعرضه وخيله، النهاردة مش قادر يحرك صباع واحد من رجليه.
أول ما شاف زينة، لف وشه الناحية التانية وصوته طلع مكسور ومبحوح:
اطلعي برة يا زينة. اطلعي برة. ميرضيكيش اللي حصل لسالم؟ ميرضيكيش 'الكامل' اللي كان بيعايرك بنقصك، بقى هو اللي ناقص؟ النهاردة بقيت جثة فوق السرير، لا حصان هيشيلني ولا أرض هتحملني. اطلعي برة واديها فرصة تشمتي فيا.
زينة قربت منه بكل هدوء، قعدت على طرف السرير، ومدت يدها ومسحت دموعه بطرف شالها.
زينة بصوت كله حنية وثبات:
أشمت فيك؟ أشمت في جوزي وسندي وراجل بيتي؟ إنتَ بتقول إيه يا سالم؟ النقص مكنش في عينيا، والكمال مكنش في رجليك. إحنا الاتنين بشر، والابتلاء من عند ربنا بيجي عشان يطهر القلوب مش عشان يكسر النفوس.
سالم بصرخة مكتومة:
أنا اتشليت يا زينة! اتشليت! هتعيشي عمرك كله تخدمي في واحد عاجز؟ إنتِ لسه صغيرة، والباب مفتوح.. روحي لدار أبوكي، أنا مش عاوز شفقة من حد، وبالذات منك إنتِ.
زينة مسكت يده بقوة وبصت في عينه:
أسمعني زين يا ولد عثمان.. يوم ما دخلت دارك، قلت لي إنك مغصوب عليا، وأنا النهاردة بقول لك إني بإرادتي معاك. إنتَ شلتني قدام الناس وأنا في نظرك ناقصة، وأنا النهاردة هشيلك فوق راسي وإنتَ في نظر الناس عاجز، بس في نظري إنتَ سالم، جوزي وتاج راسي. اللي بينا مكنش وصية، اللي بينا عهد قدام ربنا.
سالم بص لها بذهول، شاف في عينها الواحدة نور ومحبة ملقاهاش في كل سنين عزه. لأول مرة يحس إن زينة هي اللي بقت الحصان اللي هيشيله، وهي اللي بقت العين اللي هيشوف بيها بكرة.
زينة كملت بابتسامة صافية:
من النهاردة أنا رجليك اللي هتمشي بيها، وأنا اللي هسندك لغاية ما تقوم وتقف تاني. الحكيم قال إن بالأمل والعلاج ممكن تتحسن، وأنا مش هسيبك لحظة واحدة. شفت بقى يا سالم؟ الدنيا دوراية، والزين هو اللي بيصون وقت الشدة.
سالم سكت، ودفن وشه في يد زينة وهو بيبكي زي الطفل الصغير. الكبرياء اللي كان سد بينه وبينها انهار تماماً، وحل محله حب حقيقي بدأ يتولد من وسط الوجع. وفي اللحظة دي، سالم أدرك إن الشلل الحقيقي مكنش في رجليه، لكنه كان في قلبه اللي كان عاجز عن رؤية الجمال اللي قدامه، وإن زينة هي اللي رجعت له روحه في الوقت اللي الكل افتكر إنه ضاع.
خيم السكون على الأوضة، مكنش بيقطعه غير أنفاس سالم المتسارعة اللي طالعة بطلوع الروح. الضلمة كانت ساترة كسرة عينه، بس نور القمر كان داخل من الشباك وساقط على يد زينة اللي لسه ماسكة يده بقوة، وكأنها بتقوله:
أنا هنا، ومش هسيبك.
سالم كان باصص للفراغ، وصورة زينة وهي داخلة المندرة أول ليلة، وصورتها وهي بتضحك في الصباحية رغم وجعه ليها، وصورتها في البندر وهي صابرة على جفاءه، كلهم مروا قدام عينه زي شريط سينما بيحاكمه على كل لحظة تكبر فيها.
سالم بصوت مخنوق بالدموع، كأنه طالع من بير غويط:
زينة يا زينة، بصي في عيني.
زينة قربت منه أكتر، ووشها بقى في مواجهة وشه:
أنا معاك يا سالم، حاسس بوجع في جسمك؟ أنده للحكيم؟
سالم هز راسه بوجع:
الوجع مش في جسمي يا زينة. الوجع في جلبي اللي كان حجر. الوجع في روحي اللي كانت شايفة نفسها فوق الخلق وهي في الحقيقة كانت أعمى من أي حد. أنا يا زينة.. أنا اللي حصل لي ده مش حادثة، ده عدل ربنا. ده ذنبك يا بنت الناس.
زينة بدهشة:
ذبي إيه يا سالم؟ استغفر ربنا، ده قضاء وقدر.
سالم دموعه نزلت بغزارة وبدأ يشهق:
لا يا زينة.. ده ذنب كسر خاطرك. ده ذنب كل كلمة واعرة رميتها في وشك وأنا عارف إنك مكسورة الجناح. ده ذنب نظرة التعالي اللي كنت بتبص لك بيها وإنتِ بتقدمي لي المحنة والحب. ربنا أدبني يا زينة خد مني اللي كنت بتباهى بيه رجليه عشان يعرفني إن مفيش حد كامل غيره، وعشان يوريني إن الناقصة اللي كنت بعايرها، هي الوحيدة اللي وقفت سد جبالي وأنا حتة لحمة لا حول ليا ولا قوة.
سالم حاول يضغط على يدها بضعف، وصوته بقى يرتعش من الندم:
سامحيني يا زينة بالله عليكي سامحيني. أنا النهاردة بين يديكي، لا حصان هيشيلني ولا ناس هتمجد فيا. أنا النهاردة محتاج لعينك اللي بتشوفي بيها بكرة، ومحتاج لقلبك اللي وسعني رغم قسوتي. اطلبي مني أي حاجة، بس قولي 'سامحتك يا سالم' عشان أقدر أغمض عيني من غير ما أشوف نار ذنبك بتحرق فيا.
زينة سكتت، وقلبها كان بيتقطع وهي شايفة سبع الرجال بالمنظر ده مكنتش شمتانة، ولا حاسة بنصر، بالعكس، كانت حاسة بوجع الأم على ولدها وطبطبت على راسه بحنان.
زينة بنبرة هادية ومطمئنة:
أنا مسامحاك يا سالم مسامحاك من جبل ما تطلب مسامحاك من أول ليلة دخلت فيها دارك، لأني شفت ورا قسوتك راجل تايه، وشفت ورا كبريائك طفل خايف من كلام الناس يا سالم، ربنا مش بيعاقب، ربنا بيداوي. والكسرة دي هي اللي هتخليك تقوم أقوى، بس المرة دي هتقوم بروحك مش برجليك.
سالم ببكاء:
بجد يا زينة؟ قادرة تسامحي بعد كل اللي عملته؟ ده أنا جلت لك إني مغصوب عليكي في ليلة دخلتنا كنت كأني عاوز أموتك بالحيا.
زينة ابتسمت بوجع:
والنهاردة يا سالم، إنتَ اللي متمسك بيا. وده لوحده كفاية عندي. إحنا ولاد النهاردة يا سالم. من الليلة دي، مفيش وصية ومفيش غصب من الليلة دي، فيه سالم وزينة، روح واحدة في جسدين. اهدى ونام، وطول ما فيا نفس، هكون لك السند والعين والرجلين. نام يا جوزي نام يا حبيب قلبي، وسماحي واصل لك لغاية سابع سما.
سالم غمض عينه، ولأول مرة من يوم الحادثة يحس ببرودة في قلبه وسكينة. يد زينة كانت على راسه بتمسح بؤس الأيام اللي فاتت، ومع كل لمسة، كان سالم بيحس إنه فعلاً بدأ يشفى، مش من الشلل، لكن من الغرور اللي كان شالل حياته كلها نام سالم وهو بيتمتم باسمها، وزينة فضلت قاعدة جنبه، بتراقب نومه، وعينها الواحدة بتلمع بنور الصبر والمحبة، كأنها الحارس اللي بيحمي الدار من أي وجع جديد.
……
مر شهر كامل على دار عثمان، شهر كان فيه البيت أشبه بصومعة هادية، مفيش فيها صوت بيعلى فوق صوت تلاوة القرآن ودعوات زينة اللي مكانتش بتنقطع. سالم سافر لمصر وعمل العملية الكبيرة في ضهره، ورجع الدار وهو لسه في فترة نقاها وهو مابين السرير والكرسي، بس المرة دي كان فيه نور في وشه غير اللي سابه وهو خارج.
بدأ سالم يتحسن، وبدأت الحركة تدب في رجليه من جديد بفضل الله ثم تعب زينة اللي مكانتش بتنام ليل ولا نهار. كانت هي اللي بتعمله العلاج الطبيعي، وهي اللي بتسنده عشان يخطو أول خطوة، وهي اللي كانت بتمسح عرق جبينه وتجول له:
يا جبل ما يهزك ريح، خطوة كمان يا سبع الرجال.
في عصاري يوم جميل، كان سالم قاعد في حوش الدار، وقدر لأول مرة يقف على رجليه بتبات من غير ما يسند على حد. بص لزينة اللي كانت بترش المية في الحوش عشان تطري الجو، ونادى عليها بصوت كله حنية:
سالم:
يا زينة تعالي يا ست البنات، سيبي اللي في يدك وطلي عليا.
زينة جت بلهفة، وأول ما شافته واقف لوحده، وشها نور وزغرودة مكتومة كادت تطلع من قلبها:
يا ما أنت كريم يا رب! واقف على رجليك يا سالم؟ حمد الله على السلامة يا نور عيني.
سالم مسك يدها وقعدها جنبه على الدكة:
"لله يسلمك يا أصيلة أسمعيني يا زينة، الشهر اللي فات ده كان بميت سنة. شفت فيه الموت وشفت فيه الحيا، وشفت فيه معدنك اللي يوزن بلد أنا النهاردة مش بس قمت على رجليا، أنا قمت بيكي وليكي.
زينة بخجل:
ده واجبي يا سالم، والزوجة مالهاش غير بيت جوزها وسنده.
سالم قاطعها بحدة حنونة:
لا يا زينة، ده مكنش واچب، ده كان فضل وأنا النهاردة جاي أرد ولو جزء بسيط من الفضل ده. أنا جلت لك بليل زمان إني مغصوب عليكي، والنهاردة بجول للدنيا كلها إني طاير بيكي من اللحظة دي، مفيش حاجة في النجع ده كتيرة عليكي.
قام سالم ودخل الأوضة، وطلع وهو شايل علبة كبيرة وشايل لجام حصان جديد ومطرز بالفضة.
سالم:
أولاً يا زينة، الأرض اللي ورا الدار، الخمس فدادين اللي حيلتي، اتسجلوا باسمك النهاردة في الشهر العقاري دي ملكك، تزرعيها، تبنيها، تعملي فيها اللي يعجبك دي أقل حاجة تضمن حجك لو الزمان غدر بيا تاني.
زينة بصدمة:
"يا سالم، إنتَ بتجول إيه؟ أنا مش عاوزة أرض ولا طين، أنا عوزاك إنتَ وبس!
سالم ابتسم وكمل:
"وثانياً الحصانة نجمة، المهرة البيضاء اللي كنتِ بتبصي عليها وإنتِ صغيرة في مربط الحاج كامل، أنا اشتريتها ليكي، وهتكون هي مرافقك في غيطك والنجع كله هيعرف إن زينة مرتي، هي صاحبة الكلمة الأولى والأخيرة في الدار دي.
زينة دموعها نزلت، بس المرة دي كانت دموع فرحة. سالم مأكتفتش بكدة، قرب منها وطلع خاتم ألماظ حر كان مخبيه.
سالم:
والأهم من كل ده يا زينة أنا عاوز أعملك فرح جديد فرح ملوش أول من آخر، فرح بجد، نرقص فيه ونغني وإحنا بنبص في عيون بعض بصدق، مش بتمثيل أنا عاوز أعوضك عن ليلة الدخلة الواعرّة، وعن كل دمعة نزلت من عينك بسببي.
زينة بكت بحرقة وهي بتدفن راسها في صدره:
كفاية يا سالم كفاية والله نظرة الرضا اللي في عينك دي، ووقفتك على رجليك بالدنيا وما فيها. أنا مش عاوزة أفراح ولا دهب، أنا عاوزة 'سالم' الحنين، الراجل اللي بيشوفني بقلبه قبل عينه.
سالم رفع راسها وباس جبينها:
وسالم الحنين مش هيفارقك واصل يا زينة أنا اتعلمت الدرس، وعرفت إن الزين مش في الوش، الزين في اللي بيصون وقت الشدة إنتِ كنتِ عيني لما ضلمت الدنيا في وشي، والنهاردة أنا هكون ليكي السند والظهر اللي ميميلش أبدًا.
وفعلاً، سالم وفى بوعده وبقى يحلف بحياة زينة في كل مجلس، وعرف إن ربنا مأخدش منه حركة رجليه لفترة إلا عشان يرجع له حركة قلبه اللي كان ميت، ويدوقه طعم الحب الحقيقي اللي مبيعرفش النقص.
…..
مرت الأيام والشهور على دار عثمان علام وكأنها أنهار من العسل، دار كانت قبل كدة ماليها الكبرياء والسكوت، وبقت اليوم ماليها الضحكة والرضا. سالم وزينة بقوا مضرب الأمثال في النجع كله؛ الراجل اللي اتغير حاله وبقى بيشوف الدنيا بعيون مرته، والست اللي صانت ووفيت لغاية ما قامت دارها من جديد.
مرت تسع شهور، وزينة كانت فيها زي النخلة المثمرة، شالها سالم في عيونه، مكنش بيخليها تدوس على الأرض من كتر خوفه عليها وفي ليلة قمرية، هلت البشاير، واتملت الدار بصوت صرخة زينة اللي هزت حيطان البيت وأعلنت وصول الفارس الصغير.
في أوضة زينة بعد الولادة…
كانت زينة راقدة على السرير، وشها منور رغم التعب، وحاضنة الحتة الغالية اللي جات من ريحة سالم. دخل سالم الأوضة بخطوات سريعة، ووراه عثمان وستيتة ونبوية، والكل وشه بيضحك.
سالم قرب من زينة، وباس راسها بكل حنان، وبص للمولود اللي كان ملفوف في شال أبيض ناصع.
سالم بصوت مخنوق من الفرحة:
حمد الله على سلامتك يا ست البنات يا غالية يا بنت الغاليين. نورتي الدار بالهدية اللي مابعدها هدية.
عثمان بفخر:
مبروك ما جاكم يا ولدي، يتربى في عزك. ها يا سالم.. نويت على إيه؟ هتسمي الحفيد الغالي إيه؟ النجع كله مستني الاسم، وأنا جولت أكيد هيسميه عثمان على جده.
سالم بص لزينة بابتسامة فيها سر، وبص للمولود اللي كان فيه ملامح من أمه، وبالذات في رسمة العيون الواسعة.
سالم بثبات وفرحة:
يا بوي، إنتَ مقامك فوق الراس، واسمك منقوش في جلبنا بس أنا نويت، واتفقت مع زينة.. الولد ده هيتسمى زين.
الكل سكت لحظة، وبعدين ستيتة زغردت زغرودة شقت السما.
ستيتة:
يا زين ما اخترت يا ولدي! زين على اسم أمه، وزين عشان يكون زين الشباب.
سالم وهو بيمسك يد زينة:
عارف يا بوي ليه سميته زين؟ عشان ربنا كرمني بزينة اللي نورت حياتي ورجعت لي روحي، وأنا عاوز الدار دي يكون فيها زينة وزين زينة اللي علمتني إن الجمال في الروح، وزين اللي هيكون السند والنسل اللي يحمل الأمانة دي من بعدنا. عاوز لما أنادي في الدار، أفتكر دايمًا إن ربنا عوضني بيهم عن كل لحظة ضلمة عشتها.
زينة ودموع الفرحة في عينها:
يا زين ما جلت يا سالم. ربنا يجعله ولد صالح، ويشبهك في مرجلتك وفي قلبك اللي بقى أبيض كالحليب.
عثمان ضحك وطبطب على كف سالم:
عفارم عليك يا ولدي. النهاردة بس أقدر أجول إن وصية عمك كامل اتنفذت بأحسن ما يكون إنتَ مش بس اتجوزت زينة، إنتَ اتعلمت كيف تصون الجوهرة مبروك يا بو زين، ومبروك يا أم زين.
اتعمل لزين عقيقة لا حصلت ولا جرت في النجع. دبح سالم الذبائح ووزع على الفقراء والمساكين، وكان ماشي في وسط الناس وهو شايل ولده "زين" بتباهي وفخر، بس المرة دي مكنش غرور، كان فخر بالنعمة والستر.
الناس بقوا يبصوا لسالم وزينة وهما ماشيين في الغيط، هو ساندها وهي ماشية جنبه بحشمتها ووقارها، وزين الصغير بين يديهم، ويقولوا:
شوفوا عوض ربنا. شوفوا اللي صان الأمانة كيف ربنا أكرمه بزينة الدار وزين العيال.
وعاشت زينة ملكة في دار سالم، وعاشت عينها الواحدة بتشوف لزوجها ولولادها أحلى مستقبل، وسالم بقى كل ما يبص لزين يفتكر إن الدنيا زينة طول ما القلوب صافية والنفوس راضية وتوته توته، خلصت الحكاية، وبقى ذكرى زينة وزين حكاية بتتحكي لكل شاب وعروسة بيبدأوا حياتهم في بلاد الصعيد الجواني.
…..
كبر زين في حضن أمه وأبوه، وبقت الدار جنة حقيقية. زينة مكنتش بس أم، كانت هي العقل اللي بيدبر والمشورة اللي سالم مبيقطعش فيها أمر. وسالم، السبع اللي كان جاسي، بقى ألين الناس في بيته، وأشد الرجال في الحق برة بيته.
في يوم من الأيام، وزين عنده حوالي خمس سنين، كان قاعد بيلعب في حوش الدار، وسالم قاعد بيراقبه وهو بيشرب شاي العصاري مع زينة زين كان بيحاول يركب المهرة الصغيرة نجمة اللي سالم جابها لزينة زمان، وكان بيقع ويقوم تاني بكل عزيمة.
سالم بضحكة:
شوف يا زينة، الولد طالع شجيع وعفي، مبيخافش من الوقعة بيفكرني بواحد كنت أعرفه زمان، كان فاكر إن القوة في العصب وبس.
زينة ابتسمت وهي بتحط يدها على كتفه:
"طالع لأبوه يا سالم، بس إن شاء الله يطلع بقلب أبيض زيك، يشوف الناس بقلبه قبل عينه. إنتَ علّمته إيه النهاردة في الغيط؟
سالم بجدية وحب:
علمته إن الراجل كلمته عقد، وإن الضعيف في حمانا لغاية ما يقوى، وإن الجمال اللي في الدنيا ده كله فاني، ومبيفضلش غير السيرة الطيبة علمته إن أمه دي هي الزينة اللي من غيرها الدار تضلم علمته كمان إن القوة مش في عضلات بتفتل، ولا في صوت عالي بيهز الحيطان؛ القوة الحقيقية هي إنك تقدر تظلم وتختار تعدل، وإنك تملك نفسك عند الغضب. قولتله يا بني، الأرض اللي بنمشي عليها دي شربت عرق أهلك قبل ما تشرب مية النيل، فحافظ على طينها زي ما بتحافظ على عرضك اللي يبيع أرضه يبيع عرضه، واللي يهون عليه حق جاره، بكرة يهون عليه حق بيته وعرفته إن الشبع في العين مش في البطن، والراجل اللي عينه فارغة عمره ما بيملاها غير التراب قولتله خلّي قلبك بيت مفتوح لكل غريب وتقي، ويدك ممدودة بالخير حتى للي عاداك، يمكن طيب أصلك يغلبه. الدنيا دي يا ولدي رحلة قصيرة، والزاد اللي بجد هو دعوة غريب قضيتله حاجته، أو ذكرى حلوة تخلّي الناس لما تسمع اسمك تترحم على اللي رباك.
زين جري عليهم وارتمى في حضن أبوه:
يا بوي، أنا عاوز لما أكبر أكون زيك، أركب الخيل وأكون كبير النجع.
سالم شاله وقعده على حجره وباس راسه:
الخيل يركبها الخيال اللي قلبه ميعرفش الخوف، وكبير النجع مش اللي بيأمر وينهي، ده اللي بيشيل هم الصغير قبل الكبير. لو عاوز تبقى زيي يا زين، اتعلم تسبق الناس على الكرم، وتكون أول واحد في الواجب الركوبة سهلة، بس شيلة المسؤولية هي اللي بتصنع الرجال وإن شاء الله تكون أحسن مني يا زين. تكون الراجل اللي يصون، والقلب اللي يحن وتعرف يا ولدي إن ربنا لما بيعطي الإنسان نعمة، بيختبره بيها. وأكبر نعمة في حياتي كانت أمك، اللي علمتني إن النور الحقيقي هو اللي بيطلع من جوه.
مرت السنين، وزينة وزين بقوا هما عمود الدار، زينة رغم كبر سنها، فضلت بجمالها الهادي ورزانتها، وسالم فضل يشوفها أجمل ست في الدنيا، وعمره ما نسي اللحظة اللي شالته فيها وهو عاجز، فبقى يشيلها في عيونه وهي في كامل صحتها.
وفي ليلة من ليالي الشتا، والكل متجمع حوالين الكانون، بص سالم لزينة وقال لها قدام ولدهم اللي بقى شحط وشاب يملى العين:
عارفة يا زينة؟ أنا لو لفيت الدنيا دي كلها، مكنتش هلاقي ضفرك الحمد لله إن ربنا غصبني عليكي في الأول، عشان يخليني أختارك بكل جوارحي في الآخر.
زينة بعين بتلمع بالرضا:
والحمد لله إنك كنت سالم ولد عثمان، الراجل اللي عرف يرجع للحق، واللي خلى من 'الناقصة' ملكة متوجة في مملكته.
وانتهت الحكاية بكلماتهم اللي بقت حكمة في النجع:
السالم في المعدن، والزينة في الروح، والراجل اللي يصون هو اللي بيعيش ملك في عيون الناس ويفضل اسم زينة علامة في تاريخ الصعيد، إن المحبة بتبني اللي كسرته الأيام، وإن الرضا هو مفتاح الجنة على الأرض
تمت بحمد الله