رواية زوجتي العمياء الفصل الثاني2 بقلم زينب سعيد

رواية زوجتي العمياء الفصل الثاني2 بقلم زينب سعيد
سالم بصراحة:
يا عمي، أنا مش هكدب عليك. أنا جيت وفي قلبي شك، وكنت خايف من 'النقص' اللي الناس بتجول عليه. بس حديت أبوي وكلام الناس عن أدبها خلاني أجول لازم أشوف بعيني أنا رايد أقعد معاها، وأسمع منها. والقرار اللي هيطلع مننا إحنا الاتنين هو اللي هيمشي.

كامل بفخر:
عفارم عليك يا ولدي الصراحة راحة يا ياسين، ندي أختك زينة تدخل المندرة الجوانية، وخد سالم يروح يتحدث معاها.

دخل سالم المندرة الجوانية، لقى زينة واقفة بضهرها ناحية الشباك أول ما دخل، لفت براحة. كانت لابسة توب صعيدي مطرز، وحاطة طرحة خفيفة مدارية نص وشها بذكاء، بس عينها السليمة كانت بتلمع زي النجمة.

سالم بصوت واطي:
السلام عليكم يا زينة.

زينة:
وعليكم السلام يا ولد عمي. اتفضل اجعد نورت بيت أبوك.

قعد سالم، والسكوت كان تقيل. زينة كانت هي اللي بدأت الكلام، وصوتها كان فيه رنة ثقة خلت سالم يتعدل في قعدته.

زينة:
أنا خابرة اللي بيدور في بالك يا سالم خابرة إنك شايفني 'بيعة وشروة' عشان خاطر وصية بين الأباء وخابرة إنك بتجول في نفسك: 'كيف لشاب زيي يتجوز واحدة عندها عين مفخوتة؟'.

سالم اندهش من صراحتها:
إنتِ بتقرأي الأفكار يا زينة؟

زينة ابتسمت بوقار:
لأ، بس بقعد مع نفسي كتير، والوحدة بتعلم الشوف المظبوط. يا سالم، أنا مش عوزاك تكون مجبور أنا راضية بحكم ربنا، وعيني اللي راحت دي كانت تمن حياة أخوي الصغير في الحريقة، يعني هي شرف ليا مش عيبة أخبيها لو إنتَ شايفها عيبة، يبقى إحنا مش هننفع لبعض الراجل اللي أتجوزه لازم يشوفني كاملة، يشوفني ست الدار اللي تسد في أي وقت.

سالم بدأ يركز في ملامحها. اكتشف إنها جميلة فعلاً، جمال هادي ومريح، وإن العين اللي كان خايف منها مأثرتش على هيبتها.

سالم:
كلامك واعر يا زينة، بس فيه حق أنا كنت خايف من كلام الناس، خايف يجولوا سالم خد واحدة ناقصة بس وأنا قاعد قدامك دلوقتي، حاسس إن النقص كان في تفكيري أنا.

زينة:
الناس مابيعطوش عمر يا سالم، ولا بيشيلوا هم مع حد اللي هيدخل الدار ويقفل عليه الباب هو إنتَ وأنا لو إنتَ مش مقتنع بيا من جواك، لو مش شايف إن زينة هي اللي هتحفظ سرك وتصون بيتك وتكون لك سند، يبقى بلاش منها الجوازة دي. أنا غالية عند أمى وعمى، وعندي نفسي، ومقبلش أكون نص زوجة لراجل شايفني نص ست.

سالم حس بقوة الشخصية اللي في كلامها البنت دي مش ضعيفة، ولا مستنية حد يشفق عليها. دي ملكة في مكانها.

سالم بجدية:
طب لو جلت لك إني رايد أفتح صفحة جديدة؟ بعيد عن كلام أبوي وعمك كامل. رايد أعرف زينة البنت، مش زينة اللي في الوصية.

زينة:
الصفحة الجديدة بتبدأ بالصدق. أنا مش هقدر أغير اللي حصل لعيني، بس أقدر أكون لك عين تانية تشوف بيها الدنيا بخير. وأقدر أخلي دارك جنة بأدبي وشطارتي إنتَ بقى.. تقدر تكون السند اللي ميهزهوش ريح؟ تقدر ترفع راسي وتجول دي مرتي وشريكة عمري قدام النجع كله؟

سالم سكت للحظة، وبص في عينها السليمة، شاف فيها نور غريب، نور ملقاهوش في كل البنات اللي كان بيقابلهم في الأفراح.

سالم بابتسامة حقيقية لأول مرة:
أنا النهاردة يا زينة، بدأت أشوف والظاهر إن أبوي كان عنده حق لما جال إنك 'زينة' اسم على مسمى أنا مش هقول لك وافقت خلاص، بس هقول لك إن الصورة اللي كانت في خيالي اتمسحت، واليوم بدأت أرسم صورة تانية خالص.

خرج سالم من المندرة الجوانية ووشه منور، وعلامات الرضا باينة عليه عثمان وكامل كانوا بيراقبوا بلهفة.

كامل:
ها يا ولدي؟ طمنا.

سالم بص لأبوه وابتسم، وبعدين وجه كلامه للحاج كامل:
يا عمي كامل.. بنتك زينة، تتقل بالدهب وأنا يشرفني ويسعدني إنها تكون مرتي بس الرأي رأيها هي، لو قبلت بسالم على عيوبه.

عثمان قام وقف وحضن ولده وهو فرحان، وكامل ضحك بصوت عالي وهو بيمسح دموع الفرحة من عينه.

عثمان:
جولت لك يا ولدي! العين مابتشوفش كل حاجة، والقلب هو اللي بيدل.

كامل:
على بركة الله! نورتنا يا سالم، وزينة بنتك، والدار دارك من النهاردة.

انتهت السهرة والاتفاق تم، وسالم ماشي في طريق الرجوع جنب أبوه،  ماشي وراهم ببطء كأنه حاسس باللي في صدر صاحبه. عثمان كان بيمشي بخطوات واثقة، وعينه بتراقب ولده من تحت لتحت، وسالم كان ماشي سارح، عيونه في الأرض ويديه شادة اللجام بقوة لدرجة إن عروقه كانت بارزة.

عثمان وهو بيكسر السكوت بصوته الرزين:
مالك يا سالم؟ من وقت ما ركبنا من بيت الحاج كامل وأنتَ لسانك حالف ما ينطق بكلمة واصل جلبك لسه واكل منك حتة؟

سالم اتنهد تنهيدة طويلة طلعت بنار من صدره:
يا بوي، البت دي غريبة.. واوعر من اللي كنت متخيله بكتير. حديتها عامل زي حد السيف، مابيرحمش. أنا رحت وأنا فاكر إني هكسرها بكلمتين، لقيتها هي اللي كسرت كل اللي كنت ببنيه في خيالي.

عثمان ابتسم بوقار وهو بيعدل شاله:
عشان كدة جلت لك يا ولدي، زينة مش زي بنات النجع. زينة بتشوف اللي إحنا مابنشوفوش. جولي يا سالم، شفت إيه في عينها الواحدة دي؟ شفت النقص اللي كنت خايف منه، ولا شفت حاجة تانية؟

سالم وقف فجأة وبص لبوه:
شفت فيها اللي ملقيتوش في ميت واحدة 'كاملة' يا بوي. البت دي واثقة في نفسها لدرجة خلتني أحس إني أنا اللي مهزوز وأنا فوق حصاني. جالت لي حديت في الشارع الصبح -من جبل ما تروحوا تطلبوها وفي المندرة الليلة كررته.. جالت إن النقص في الجلب مش في العين. كلامها كان بيخبط في راسي كأنه مطرقة.

عثمان حط يده على كتف ولده وضغط عليها:
ده عشان كلام الحق دايمًا تقيل يا ولدي زينة هي اللي هتعدلك يا سالم. إنتَ طول عمرك واخد الدنيا بالدراع وبالعز وبالجمال، وناسي إن الدار بتتبني على الأصل عجبك ردها الليلة؟

سالم نزل عينه في الأرض وهز راسه بهدوء:
عجبني عقلها يا بوي وعجبني أكتر إنها رفضتني في الأول عشان خافت أكون مشفق عليها البت دي غالية جوي، وأنا لأول مرة أحس إني فعلًا رايدها.. بس مش عشان وصية، ولا عشان أراضي جنابك.. أنا رايدها عشان هي زينة.

عثمان فرحت عينه ووشه نور:
عفارم عليك يا ولد عثمان! دي الرجولة الحج اللي تختارها لعقلها وأصلها تعيش معاك العمر كله وتصونك أما الجمال فيدوب يملى العين شوية ويشبع، لكن الروح هي اللي بتجوع وتلاقي شبعها في الحنية والأصل. يعني نتوكل على الله ونجهز للأفراح؟

سالم ابتسم ابتسامة خفيفة لأول مرة:
نتوكل على الله يا بوي بس ادعي لي أقدر أملى عينها اللي باقية دي، وما أخليهاش تندم في يوم إنها قبلت بواحد مغرور زيي.

عثمان ضحك بصوت عالي طبطب على ضهر سالم:
مادام عرفت إنك كنت مغرور، يبقى إنتَ بدأت تطيب يا ولدي. زينة هتكون لك النور، وإنتَ هتكون لها السند ياللا بينا، أمك ستيتة مستنية الخبر على نار، الليلة النجع كله هيعرف إن سالم ولد عثمان لجي اللي تليق بيه.
……
 في صباح يوم جديد الشمس كانت حامية والشارع في البندر زحمة، وريحة البخور والدخان طالعة من المحلات، بس سالم كان حاسس بخنقة في صدره تضاهي حرارة الجو ميت مرة. كان ماشي ورا والدته "ستيتة" ووالدة زينة "نبوية"، ورجليه بتخبط في الأرض كأنه شايل فوق كتافه جبل الصبر.
سالم لابس جلبابه الكتان ونافض شاله على كتفه، بس وشه كان مقلوب، عاقد الحواجب وكأنه داخل عركة مش داخل محل صاغة يشتري شبكة. هو وافق بقلبه في المندرة امبارح، بس فكرة إنه ينزل البندر ويقف ينقي دهب لواحدة هو لسه "بيجاهد" نفسه عشان يتقبل وضعها قدام الناس، كانت مخلية دمه بيغلي.

ستيتة وهي بتوشوش سالم:
افرد وشك يا ولدي، إحنا داخلين محل الصاغة، والناس بتتفرج علينا اضحك في وش حماتك، دي الوليّة طايرة من الفرحة.

سالم بضيق وهمس مكتوم:
يا أماي، هو أنا كنت هربت؟ ماني ماشي وراكم أهو. بس أنا مش بتاع لف في المحلات، اخلصوا ونقوا اللي تعوزوه وأنا أدفع وأخلص.

نبوية بفرحة مكسورة بخجل:
والله يا سالم يا ولدي، زينة مكانتش راضية تيجي، جالت اللي يختاره سالم يرضيني، هي بتثق في ذوقك جوي ربنا يبارك لك فيها ويجعلها قدم السعد عليك.

سالم من داخل نفسه اتوجع من الجملة مكنتش راضية تيجي؟ هل هي فعلًا بتثق فيه، ولا خايفة تخرج وسط الناس وتشوف نظراتهم؟ الكبرياء اللي جواه اشتعل تاني دخلوا محل الصاغة، المحل كان مليان مرايات بتعكس نور الدهب، والمحل كان زحمة حريم ورجالة.

الصايغ بابتسامة:
نورت يا سالم بيه، بس الحاج عثمان مجاش نورتوا يا حريم مبروك للعريس، نقي يا بطل، دهبنا كله صاغ أول.

سالم وقف بعيد، ساند ضهره على الفترينا وبربع دراعاته، وعيونه بتلف في المحل بملل. ستيتة ونبوية بدأوا يتفرجوا على الغوايش والخواتم.

ستيتة وهي بتمسك غويشة عريضة:
شوف دي يا نبوية، دي تجيلة وتليق بيد زينة، وشكلها يملى العين.

نبوية:
والله يا ستيتة، زينة يدها رقيقة، والدهب ده يغلبها. إحنا عاوزين حاجة رقيقة زيها.

سالم قرب منهم فجأة بنبرة حادة:
يا أماي، نقي أجمل حاجة وأغلى حاجة أنا مش عاوز حد في النجع يفتح بقه ويجول إن سالم استخسر في مرته عشان هي عشان يعني نصيبها كدة.

ستيتة ونبوية بصوا لبعض بوجع. نبوية حست بنغزة في قلبها من ورا كلامه، ونطقت بصوت هادي:
يا ولدي، زينة مش محتاجة دهب يغطي عيبها، زينة جمالها من جوه، والدهب ده بس عشان الأصول لو إنتَ مش رايد الجوازة دي من جلبك، بلاش تكلف نفسك.

سالم حس إنه غلط، وحس إن كلامه طلع جلف زيادة. فرك جبهته بضيق وجال:
يا خالة نبوية، مش جصدي أنا بس عاوزها تكون أحسن واحدة في النجع كله. هاتي الطقم الكبير ده يا عمي الصايغ.. ده.

كان طقم دهب تقيل ومطرز، فيه عقد بيبرق وفصوص بتلمع. سالم كان بيختار بالكم وبالسعر، كأنه بيداري خجله أو وجعه بالفلوس. وهو واقف، دخلوا اتنين شباب من النجع، لمحوه وغمزوا لبعض.

واحد من الشباب بصوت مسموع:
أهو سالم العريس! مبروك يا سالم.. بس يعني، الشبكة دي كلها هتلبسها لزينة؟ والله كتر خيرك يا راجل، ده إنتَ قلبك أبيض جوي.

الكلمة كانت واضحة إنها "شفقة" وتلميح على إصابة زينة. سالم دمه غلى، وعروق رقبته برزت كان هيلف يضربهم، بس ستيتة مسكت يده بقوة وبصت له نظرة تحذير.
ستيتة:
ادفع يا ولدي وخلصنا. الناس مابيسيبوش حد في حاله.

سالم طلع الفلوس من جيبه، وكان بيعدهم بعصبية خلت الصايغ نفسه يقلق. كان حاسس إن كل قطعة دهب بيشتريها هي "ضريبة" بيدفعها للناس عشان يسكتوا.

نبوية بصوت واطي وسالم بيحاسب:
زينة كانت بتجول لي، لو سالم ضايق في الشبكة، خليه يختار خاتم بسيط وبس هي حاسة بيك يا سالم، وحاسة باللي بيدور في رأسك.

سالم وقف للحظة، وبص لخالة نبوية حس بمرارة في حنجرته. زينة حاسة بيه؟ حاسة بإنه محرج؟ الكلمة دي وجعته أكتر من غمزات الشباب خلصوا الشراء وخرجوا للشارع، والشنط في يد ستيتة.

سالم وهو ماشي وراهم:
خدي يا خالة نبوية، الشبكة دي أمانة عندك لغاية ليلة الدخلة. وبلغي زينة إن الدهب ده مقامها، ولو كانت عاوزة أكتر كنت جبت.

نبوية:
تسلم يا ولدي، كتر خيرك بس زينة مقامها في جلبك، مش في رقبتها.

سالم سابهم ومشي لوحده في سكة تانية، كان محتاج يشم هوا بعيد عن الناس وبعيد عن كلامهم كان بيسأل نفسه: 
ليه أنا مضايق كدة؟ ليه حاسس إني بشتري سكوت الناس مش بشتري فرحة عمري؟

بص للسما وهو بيتنهد بنفاد صبر، وافتكر وش زينة في المندرة وهي بتقول له:
النقص في الجلب مش في العين فجأة، حس إنه فعلًا هو اللي ناقص. هو اللي محتاج يلبس دهب في روحه عشان يلمع قدام نفسه، مش هي زينة بفقده لعينها كانت أنور منه بكتير وهو في كامل صحته وعزه.
…….
رجع سالم لبيته والضلمة بدأت تفرش جناحها على النجع، دخل الدار لقى أبوه عثمان قاعد في الحوش بيشرب القهوة بتاعته، وساند ظهره على الحيطة بوقار، أول ما لمح سالم وشاف علامات الضيق المرسومة على وشه، نزل فنجان القهوة وبص له بنظرة فاحصة.

عثمان بهدوء:
جبتوا الشبكة يا ولدي؟ مبروك ما اخترتوا، إن شاء الله تكون قدم السعد.

سالم رمى شاله على الكنبة وقعد بتعب:
جبتها يا بوي دفعنا مبلغ وقدره، ونقينا طقم يملى العين بس الواحد حاسس إن روحه هي اللي اتدفعت في المحل ده مش الفلوس.

عثمان بخبث:
وليه عاد يا سبع الرجال؟ حد كسر لك كلمة في البندر؟ ولا الدهب مطلعش على مجامك؟

سالم وهو بيبص للسما:
الناس يا بوي الناس مابتسكتش. سمعت بوداني ولمحت عيون بتبص لي بشفقة، كأني عملت عملة شينة. الكل بيبص للشبكة ويجول يا خسارتك يا سالم، وكأن زينة دي هي اللي هتاخدني للقبر مش للدار. أنا ليه حاسس إني في امتحان والكل مستني يغلطني؟

عثمان قام ووقف قدام ولده:
امتحانك يا سالم هو إنك تخرس الألسنة دي بفعلك مش بحديتك إنتَ عارف ليه زينة مكانتش راضية تروح معاكم؟ عشان هي خابرة إنك لسه مهزوز. البنت دي عندها عزة نفس لو وزعتها على رجال النجع كلهم هتفيض هي مش محتاجة دهب يغطي وشها، هي محتاجة راجل يكون هو دهبها الحقيقي قدام الخلق.

سالم سكت، وكلام أبوه كان بيحرق في قلبه زي الملح على الجرح. قام ودخل أوضته، فضل يتقلب على السرير مش عارف ينام صورة زينة  كانت بتطارده.
…………..
في اليوم التالي، وقبل ما يخلص الأسبوع، كان لازم سالم يروح يودي الزيارة لبيت العروسة، ودي عادات الصعيد اللي مفيهاش مفر شحن سالم العربية النص نقل بكل ما لذ وطاب: أجولة دقيق، وسكر، وزيت، ودبايح.. كأنه بيحارب الفقر في النجع كله. كان عاوز يثبت للكل إن "زينة" غالية، بس في الحقيقة كان لسه بيثبت لنفسه هو.

وصل لبيت الحاج كامل، وكان الاستقبال حافل الحاج كامل أخده بالأحضان، ونبوية كانت بتدعي له من كل قلبها قعدوا في المندرة، وسالم كان عينه كل شوية تروح ناحية الباب الجواني، مستني خيالها يمر.

بعد شوية، دخلت زينة وهي شايلة صينية العصير. كانت لابسة توب بسيط، وحاطة طرحة خفيفة، والمندرة كلها ريحتها بقت بخور ومسك أول ما دخلت حطت الصينية قدام سالم بكل هدوء، ورفعت عينيها السليمة وبصت له نظرة خلت ركب سالم تخونه.

زينة بصوت واطي وهي بتناوله الكوباية:
كتر خيرك يا ولد عمي الشبكة وصلت، والزيارة دي كتير جوي إنتَ بتغرقنا بفضلك.

سالم وهو بيحاول يثبت صوته:
ده مقامك يا زينة، وأنا مبعملش غير الأصول.

زينة ابتسمت ابتسامة خفيفة فيها لمحة عتاب:
الأصول مودة يا سالم، مش بس حمول عربيات أنا سمعت إنك كنت مضايق في البندر. لو الشبكة تقيلة على قلبك، أنا مستعدة أرجعها، ويفضل الود اللي بين العيلتين.

سالم اتعدل في قعدته وحس إنها كشفته تاني البنت دي كأنها بتقرأ اللي تحت جلده.

سالم:
مين جال إني مضايق؟ أنا بس كنت شايل هم الزحمة والحر.

زينة بصت له بذكاء:
أنا مش بشوف بعيني الاتنين، بس بشوف بقلبي كويس جوي. إنتَ خايف من بكرة، خايف إن الناس تفضل تعايرك بيا. يا ولد عمي، أنا مش حمل إنك تعيش عمرك كله بتدافع عني بفلوسك ودهبك وأنتَ مش مقتنع بيا من جوه. لو لسه في قلبك ذرة شك، إحنا لسه على البر.

سالم بص للحاج كامل وأبوه اللي كانوا بيتحددوا بعيد، ورجع بص لزينة شاف في وشها سكينة غريبة، وشاف في عينيها السليمة لمعة إيمان وقوة ملقاهاش في أي راجل قابله في حياته.

سالم بصوت فيه صدق لأول مرة:
يا زينة، أنا فعلًا كنت مضايق، بس مش منك، أنا كنت مضايق من نفسي أنا طول عمري عايش للناس، بختار لبسي وشكلي وحصاني عشان الناس تجول شوفوا سالم. ولما جيتِ إنتِ، خفت إن الناس تجول شوفوا سالم خد إيه  بس كل ما بقعد معاكي، بحس إن الناس دي كلها ملهاش لازمة حديتك بيخليني أشوف الدنيا بشكل تاني خالص.

زينة:
ده أول طريق الحق يا سالم. إنك تشوف نفسك بعينك إنتَ، مش بعيون الناس أنا مش عاوزة دهب كتير، أنا عاوزة قلب كبير يساعني، وعين تشوفني كاملة مهما حصل.

سالم بابتسامة حقيقية:
أنا بدأت أتعلم يا زينة بدأت أشوف والزيارة اللي جبتها دي مش فضل مني، دي اعتذار ليكي عن كل لحظة شكيت فيها في جدرك. إنتِ فعلًا زينة البنات، وأنا اللي محتاجك عشان تفتحي عيني على الدنيا بجد.

في اللحظة دي، دخل الحاج كامل المندرة وهو بيضحك: 
ها يا ولاد؟ اتفقتوا على ميعاد الفرح؟ عوزين نعمل ليلة حصلتش في تاريخ النجع!

سالم قام وقف وبص لعمه كامل:
الفرح هيكون الخميس الجاي يا عمي وعاوز النجع كله يحضر، وعاوز زينة تكون في أبهى صورة. أنا هعمل فرح يحكوا بيه سنين وسنين، مش عشان أثبت حاجة لحد، بس عشان أفرح بقلبي اللي لقي نصيبه بجد.

خرج سالم من بيت العروسة وهو حاسس إن الأرض مش شايلاه من الفرحة ركب حصانه "عنتر" ومشى بيه في وسط النجع، بس المرة دي مكنش شادد اللجام بغرور، كان ماشي بهدوء والابتسامة مش مفارقة وشه كان بيبص للناس اللي بتقابله ويسلم عليهم بحرارة، ومبقاش يهمه مين بيبص له إزاي.
……….
رجع الدار لقى أمه ستيتة مستنياه بلهفة، أول ما شافته ضحكت وقالت له: 
وشك نور يا ولدي، الظاهر إن زينة عملت سحرها.

سالم:
عملت اللي مفيش حد قدر يعمله يا أماي فتحت عيني اللي كانت مغمية بالغرور جهزي نفسك، الخميس الجاي دخلتي، وعوزين الدار دي تكون جنة.

نام سالم ليلتها وهو مرتاح، مفيش كوابيس ولا كلام ناس بيطارده. كان بيحلم بليلة الدخلة، مش بليلة هيثبت فيها كماله، لكن بليلة هيبدأ فيها حياة جديدة مع الإنسانة اللي علمته إن النور الحقيقي مكانه القلب، مش العين وبالفعل، بدأ النجع كله يتجهز لـ "فرح سالم وزينة"، الفرح اللي غير موازين الحكي في الصعيد كله.
…….
مرت الأيام والنجع كله ملوش سيرة غير "فرح سالم ولد عثمان" على "زينة " النسوان في البيوت مابين مبهورة بأصل سالم اللي صان الوصية، وما بين اللي لسانها بينقط سم وهي بتقول: 
يا عيني على طولك يا سالم، في الآخر يتقفل عليك باب مع واحدة بعين واحدة.

أما سالم، فكان في عالم تاني خالص من وقت ما رجع من البندر ومن بعد زيارة العروسة، وحاله اتبدل مابقاش يهمه الحديت اللي بيدور في المندرة ولا غمزات الشباب في السوق. كان بيقضي يومه كله في تجهيز "عش الزوجية"، يده بيد العمال، يدهن الحيطان وينقي الفرش بنفسه، وكأنه بيبني معبد مش مجرد دار.
………..
ليلة الحنة
كان النجع كله منور بالأنوار اللي واصلة للسما الذبائح كانت بتتدبح في الحوش، وريحة اللحمة والفتة غطت على ريحة الزرع سالم كان لابس قميص أبيض ناصع وصدرية مطرزة، وحواليه أصحابه ومنصور في وسطهم بيضربوا بالنبوت وبيرقصوا خيل.

منصور وهو بيوشوش سالم وسط الزيطة:
إيه يا عريس؟ مبروك يا سبع الرجال. وشك منور كأنك ملكت الدنيا وما فيها لساتك شايل هم كلام الناس؟

سالم:
مش عارف والله ما بقيت عارف حاسس إني تايه.
………

يوم الفرح….

الكل كان مستني اللحظة اللي تخرج فيها زينة من دار 
 سالم راح على حصانه "عنتر" ومعاه زفة لا حصلت ولا جرت أول ما وصلت العربية قدام بيت الحاج كامل، خرجت زينة وهي لابسة الفستان الأبيض، وحاطة طرحة طويلة ومطرزة بالتل، كانت مدارية وشها بس هيبتها وطولها كانوا كافيين يخلوا الكل يسكت.

سالم نزل من على حصانه، ومشى بخطوات واثقة لغاية ما وقف قدامها وأخدها ومشيوا، بعد فترة الفرح خلص ومسلموش من الهمز واللمز عن زينة.
……

بعد الفرح دخلوا الأوضة  فتحت زينة باب الأوضة ودخلت بخطوات هادية، كانت لسة بتوب الفرح الأبيض اللي بيبرق تحت نور النجفة البسيط. قعدت على طرف السرير وهي بتفرك يدها بتوتر، مستنية كلمة حلوة، أو حتى نظرة تطمن جلبها اللي كان بيدق زي الطبل. سالم كان واقف جبال المراية، بيقلع العمة بتاعته بعنف، ووشه كان متخشب وكأن عليه غيمة سودة سدت كل منافذ الضي.

لف سالم وشه ليها، وبص لها نظرة مكنش فيها لا حنية ولا لهفة عريس، كانت نظرة مليانة مرار وكبرياء مجروح.

سالم بصوت ناشف زي الحجر:
ارتاحي يا زينة ارتاحي واجعدي، بس جبل ما تخلعي طرحتك، لازم أتكلم خابر إن حديتي  واصل وواعر، بس لازم ينجال عشان نعيش على نور، وما نضحكش على بعضينا.

زينة رفعت راسها وبصت له بعينها السليمة بقلق:
خير يا ولد عمي؟ حديت إيه اللي ينجال في ليلة دخلتنا؟ إحنا خلاص بجار بعض، والماضي كله فات.

سالم ضحك ضحكة مكسورة بسبب اللي سمعه من كلام الناس:
الماضي فات؟ لا يا بنية، الماضي هو اللي جابني هنا أنا مش عاوزك تعيشي في وهم، ولا تفتكري إن الضحكة اللي كانت برة دي حقيقية. أنا سالم ولد عثمان، اللي كان بيختار خيله وحريمه على الفرازة، واجف النهاردة في أوضتي مع واحدة مع واحدة مفروضة عليا.

زينة بلعت ريجها وحست ببرودة في جلبها:
مفروضة عليك؟ جصدك إيه يا سالم؟

سالم قرب منها ووطى لمستواها، وصوته بقى همس مليان غضب:
جصدي إني اتچوزتك عشان خاطر أبوي اتچوزتك عشان وصية عمي  الله يرحمه اللي رماها في رقبة أبوي وأبوي رماها في رقبتي أنا اتضغط عليا بكل طريقة، جالو لي 'الأصول' و'النسب' و'الستر'. جالو لي إنك بنت زينة، بس نسيوا يسألوني أنا رايد إيه. نسيوا يسألوا سالم اللي بيحب الجمال الكامل، يرضى كيف بواحدة.. بواحدة بعين مفخوتة؟

زينة حست كأن حد ضربها بخنجر في صدرها نزلت عينها للأرض، ودمعة واحدة نزلت على خدها، بس مسحتها بسرعة وقوت نفسها.

زينة بصوت مخنوج بس ثابت:
يعني كل اللي حصل.. والزيارة.. والشبكة.. والفرح اللي هز النجع.. كان تمثيل؟

سالم لف ضهره ليها :
كان واچب يا بنت الناس واچب عشان خاطر اسم عثمان ولد علام ميتجرحش، وعشان خاطر أبوكي اللي كان صاحب أبوي أنا مش ظالم، وهصونك وهأكلك وأشربك، وهتكوني ست الدار دي وليكي كل الاحترام قدام الناس بس متبنيش قصور في الهواء. أنا قلبي مش هنا، وعيني مش شايفاكي العروسة اللي كنت بحلم بيها. إحنا هنعيش تحت سقف واحد، أخوات، أو غرباء.. سميها كيف ما تسميها.

زينة قامت ووقفت جدامه، وبصت في عينه بقوة خلت سالم يرتبك لحظة:
جولتها يا سالم.. 'الكمال'. إنتَ بتدور على كمال الوش، وناسي إن الكمال لله وحده. إنتَ فاكر إنك بجمالك وطولك ده كامل؟ لا يا ولد عمي، إنتَ ناقص.. ناقص شجاعة إنك تجول 'لأ' في وش أبوك من الأول، وناسي إن الرجولة مش إنك تكسر بخت بنية في ليلة دخلتها بحديت واعر زي ده.

سالم بعصبية:
"أنا مكسرتش بختك! أنا بجول لك الحقيقة عشان متبنيش آمال وتتوجعي بكرة أنا مغصوب يا زينة، والراجل لما يتغصب بيحس إنه مكسور الجناح، وأنا مش متعود أكون مكسور.

زينة بابتسامة حزينة:
واللي مكسور الجناح يا سالم مبيعرفش يطير، وأنا ميرضينيش أعيش مع واحد حاسس إنه مسجون. كنت جلتها برة، كنت سبتني في دار أبوي معززة مكرمة. لكن تدخلني دارك وتجفل عليا الباب وتجول لي 'إنتِ وجيعة في رقبتي'.. دي مش مروءة الصعايدة اللي بنعرفها.

سالم بص لها وسكت، ملقاش رد:

زينة كملت وهي بتفك طرحتها ببرود:
طفي النور يا ولد عمي ونام. أنا خابرة طريقي زين، واليوم اللي هتحس فيه إنك مش جادر تتنفس بسببي، باب الدار يفوت جمل أنا زينة، وعمري ما هكون حمل تقيل على حد، حتى لو كان جوزي اللي اتغصب عليا.

سالم بص لها وهي بتتحرك في الأوضة بهدوء وثقة رغم الانكسار اللي جواها، وحس لأول مرة بنغزة غريبة في قلبه. كان فاكر إنه لما يواجهها هيرتاح، بس لقى نفسه بقى هو اللي حاسس بالصغر قدام عزة نفسها. طفى النور ونام على طرف السرير البعيد، والضلمة لفت الأوضة، بس السكوت اللي بينهم كان أعلى من أي صرخة.
تعليقات