رواية عالمان الفصل الثالث3 الاخير بقلم حنان أحمد ماهر

رواية عالمان الفصل الثالث3 الاخير بقلم حنان أحمد ماهر
ابتسمت ليان وسط دموعها…
لكن ابتسامتها هذه المرة لم تكن ضعيفة.
كان هناك شيء تغيّر داخلها.
شيء استيقظ أخيرًا.
الضوء الذهبي انفجر من جسدها بقوة هائلة حتى اهتزت الغابة كلها، والأشجار السوداء بدأت تتحول تدريجيًا إلى فضية تحت قدميها.
ميرافيل تراجعت بخوف حقيقي لأول مرة: "لا… هذا مستحيل!"
أما حارس الظلام فأطلق صرخة مرعبة وهو يحاول التشبث بسيران.
لكن الضوء الخارج من ليان بدأ يحرق يده السوداء.
صرخ المخلوق بعنف وأفلت سيران أخيرًا.
سقط من ارتفاع قوي—
لكن قبل أن يرتطم بالأرض…
اندفعت ليان نحوه.
وفي لحظة واحدة، ظهرت خلفها أجنحة ضخمة من الضوء الذهبي والوردي.
أمسكته بين ذراعيها في الهواء.
تجمد الزمن للحظة.
سيران فتح عينيه بصعوبة…
فوجد نفسه قريبًا جدًا منها.
خصلات شعرها تتحرك مع الضوء حولها، وعيناها الوردية اللامعة تنظران إليه بخوف ولهفة.
وكأن أهم شيء بالعالم بالنسبة لها الآن…
هو أن يكون بخير.
همست بأنفاس مرتجفة: "إنت كويس؟"
نظر إليها سيران بصمت طويل.
كان يسمع دقات قلبها السريعة…
ويرى دموعها التي لم تجف بعد.
وفجأة شعر بشيء مؤلم ودافئ يملأ صدره.
لأنه أدرك الحقيقة التي كان يهرب منها منذ سنوات.
هو لم يكن فقط يبحث عنها…
بل كان يحبها طوال هذا الوقت.
حتى قبل أن يعرف معنى الحب.
رفع يده بصعوبة ولمس خدها برفق.
"رجعتيلي…"
الكلمة خرجت مكسورة بطريقة جعلت قلب ليان يرتجف بعنف.
أما هي…
فلم تعد تفهم شيئًا سوى أنها لا تريد أن تبتعد عنه أبدًا.
لكن فجأة—
صرخت ميرافيل بغضب جنوني: "كفاااااااااااية!!"
انفجرت الظلال حولها بعنف، وتحولت السماء فوق الغابة إلى سواد كامل.
البرق الأسود بدأ يضرب الأرض، وحارس الظلام وقف مجددًا وهو يزأر بغضب.
ثم رفعت ميرافيل يديها نحو السماء وهي تصرخ:
"إذا استيقظت الوريثة… فليحترق العالمان معًا!"
اتسعت عينا فارو: "هي فقدت عقلها!"
وفجأة—
بدأت البوابة السوداء تكبر بشكل مرعب.
ليس داخل الكهف فقط…
بل في السماء كلها.
شق أسود هائل انفتح فوق مملكة الزهرة، وبدأ يبتلع النجوم والسحب.
الهواء صار يصرخ.
والأرض تهتز بعنف.
ليان نظرت للأعلى بخوف: "إيه اللي بيحصل؟!"
سيران نهض بصعوبة وهو يحدق في السماء بصدمة.
ثم قال بصوت منخفض مرعب: "هي بتحاول تفتح بوابة العدم بالكامل."
"وده معناه إيه؟"
نظر إليها…
وكان الخوف ظاهرًا في عينيه بوضوح هذه المرة.
"معناه نهاية العالمين."
تجمدت ليان.
الأرض… وعالم الزهرة… كلاهما؟
لكن ميرافيل بدأت تضحك بشكل هستيري بينما الظلام ينتشر حولها.
"لن يبقى شيء بعد الليلة!"
وفجأة…
خرجت من البوابة مئات المخلوقات السوداء المجنحة.
السماء امتلأت بهم كالسرب.
فارو صرخ: "إحنا مش هنقدر نوقف ده!"
لكن سيران كان ينظر فقط إلى ليان.
ثم اقترب منها ببطء.
رغم الفوضى… رغم اقتراب النهاية…
كانت عيناه هادئتين بشكل غريب.
وقال بصوت خافت: "في طريقة واحدة نقفل البوابة."
شعرت ليان بالخوف فورًا من نبرته.
"إيه هي؟"
سكت للحظة.
ثم قال: "الجوهرة لازم ترجع لمصدرها."
نظرت إلى الجوهرة المتوهجة في رقبتها.
"يعني؟"
لكن هذه المرة…
لم يجب.
فقط نظر إليها بحزن عميق جدًا.
وهنا فهمت.
شحب وجهها فورًا: "لا."
اقترب أكثر، وعيناه لم تتركا عينيها.
"ليان—"
هزت رأسها بسرعة والدموع بدأت تتجمع مجددًا: "لا! أكيد في طريقة تانية!"
لكن سيران همس بألم: "مفيش."
شعرت وكأن قلبها يُنتزع من صدرها.
لأنها فهمت الحقيقة كاملة الآن…
إغلاق البوابة يعني أن الجوهرة ستختفي.
وإذا اختفت…
هي ستعود إلى الأرض للأبد.
بعيدًا عنه.

الصمت وقع بينهما لثوانٍ… لكنه كان أثقل من كل الضجيج حولهم.
صوت البوابات السوداء وهي تتسع، وصراخ المخلوقات في السماء، وكل شيء أصبح بعيدًا فجأة.
لم يبقَ سوى عينيهما.
ليان تمسكت به بقوة، كأنها تحاول تثبيت اللحظة نفسها: "مفيش حل غير ده؟… يعني لازم نفترق؟"
سيران لم يرد فورًا.
كان يحاول أن يثبت صوته، لكن داخله كان ينهار بصمت.
اقترب خطوة، ثم قال بهدوء مكسور: "لو ما قفلناش البوابة… هتموتي. العالم كله هيموت."
رفعت عينيها إليه بسرعة: "وأنت؟"
تردد.
وهذا التردد كان الإجابة.
شعرت ليان بأنفاسها تختنق: "يعني إنت كمان…"
قاطعها بسرعة، وكأنه لا يحتمل تكملة الجملة: "أنا هقدر أتعامل مع أي حاجة."
لكن صوته خانَه.
كان كاذبًا… حتى هو كان يعرف ذلك.
فجأة ارتجفت الجوهرة على صدرها بقوة، وأطلقت نبضات ضوء كأنها تنادي شيئًا بعيدًا.
فارو صرخ من الخلف: "البوابة بتسحب الطاقة منها!"
السماء فوقهم بدأت تنهار أكثر.
وميرافيل وقفت وسط العاصفة، تضحك بجنون: "اخترِ يا أميرة… عالمك أو قلبك!"
عند الكلمة الأخيرة…
تجمدت ليان.
قلبها؟
نظرت إلى سيران.
كان يقف أمامها رغم كل شيء… رغم جروحه، رغم سقوطه قبل قليل، رغم أن جسده بالكاد يقف.
ومع ذلك… أول شيء فعله دائمًا هو حمايتها.
اقتربت منه ببطء.
وعندما وصلت إليه، وضعت يدها على صدره.
شعر هو بتوقف أنفاسه للحظة.
ليان همست بصوت مرتجف: "أنا لو رجعت… مش هقدر أعيش من غيرك."
تجمد سيران.
هذه المرة لم يستطع إخفاء ما بداخله.
عينيه ارتجفت.
وكأنه لأول مرة يسمح لنفسه أن يشعر فعلًا.
قال بصوت منخفض جدًا: "وأنا… من غيرك كنت ميت من زمان."
تساقطت دموعها.
لكن هذه المرة… لم تكن دموع ضعف.
بل قرار.
فجأة رفعت ليان رأسها نحو السماء.
والضوء الذهبي عاد يتوهج بقوة داخلها.
ميرافيل صرخت: "بتعملي إيه؟!"
لكن ليان قالت بصوت ثابت لأول مرة: "لو الجوهرة هي المفتاح… يبقى أنا اللي هقرر."
ثم التفتت إلى سيران.
اقتربت منه أكثر، ووضعت يدها على خده.
ابتسمت رغم الدموع: "مش هسيبك لوحدك."
قبل أن يتمكن من الرد—
سحبت الجوهرة من رقبتها ببطء.
فانفجر الضوء في كل الاتجاهات.
صرخة قوية ملأت السماء.
فارو سقط على ركبتيه: "هي بتفصلها عن نفسها!"
سيران صرخ: "ليان لا!"
لكن الضوء كان أقوى.
الجوهرة بدأت تطفو بين يديها، وظهر حولها شكل بوابة من النور.
السماء السوداء بدأت ترتجف.
ميرافيل تراجعت وهي تصرخ بغضب: "لااااا!"
أما ليان…
فبدأ جسدها يضعف.
لكنها ظلت تنظر إليه.
إليه فقط.
اقترب سيران منها بسرعة، أمسك يدها: "أنا قولت لك تهربي مش كده!"
ابتسمت ابتسامة ضعيفة: "بس أنا اخترت."
شدها إليه بقوة، كأنه يحاول أن يمنعها من الاختفاء: "ماتسيبينيش…"
وهنا لأول مرة…
صوته انكسر.
الكلمة لم تكن أمرًا… كانت رجاءً.
ليان رفعت يدها ولمست يده التي تمسك بها.
وقالت بصوت شبه همس: "مش هسيبك… بس لازم نرجع لبعض في يوم."
ثم أغمضت عينيها.
والجوهرة انفجرت في السماء كنجمة عملاقة.
الضوء ابتلع كل شيء.
السماء السوداء تشققت.
حارس الظلام صرخ واختفى.
وميرافيل اختفت مع صرخة غضب أخيرة.
والغابة كلها امتلأت بنور أبيض…
ثم سكون.
عندما عاد الهدوء.
كان سيران جالسًا على الأرض وسط بقايا الضوء.
ينظر أمامه بصمت.
لا صوت.
لا حرب.
لا ليان.
فقط الجوهرة… كانت مكسورة نصفين على الأرض، تلمع بخفوت.
اقترب منها ببطء.
وكل خطوة كانت أثقل من الحرب نفسها.
انحنى وأخذها بين يديه.
همس بصوت مكسور: "قلتِ هترجعي…"
لكن لم يرد أحد.
رفع عينيه إلى السماء.
وكانت أول مرة في حياته…
يبكي بدون أن يخفي دموعه.

السماء كانت هادئة بشكل مخيف…
هدوء بعد العاصفة، لكنه هدوء لا يطمئن أحد.
سيران ما زال جالسًا وسط الركام، الجوهرة المكسورة بين يديه، والضوء الخافت ينعكس على ملامحه المتعبة.
لم يعد يسمع شيئًا.
حتى فارو كان يقف بعيدًا بصمت، لا يعرف ماذا يقول.
ثم فجأة…
اهتزت قطعة الجوهرة في يد سيران.
مرة واحدة خفيفة.
توقف.
نظر لها ببطء.
ثم اهتزت مرة أخرى… أقوى قليلًا.
فجأة ارتفعت من بين يديه وكأن شيئًا ما يسحبها من الداخل.
اتسعت عيناه: "لا…"
ارتفع الضوء من الشقوق الصغيرة داخلها، لكن هذه المرة لم يكن عشوائيًا.
كان نبضًا.
نبضًا يشبه القلب.
ثم…
ظهر خيط نور رفيع منها، امتد في الهواء، وبدأ يتشكل ببطء.
فارو تراجع خطوة: "إيه ده…؟"
سيران وقف فجأة.
والصوت الوحيد الذي سمعه في العالم كله…
كان صوتها.
ضعيف… بعيد… لكنه حقيقي.
"سيران…"
تجمد.
عيناه اتسعتا.
"ليان؟"
الخيط الضوئي بدأ يتجمع في نقطة واحدة أمامه، كأن الضوء نفسه يعيد تجميع شيء مفقود.
ثم فجأة…
انفجرت الدائرة الضوئية.
وخرجت ليان.
لكنها لم تكن واقفة فورًا.
سقطت على ركبتيها وهي تلهث، كأنها عادت من مكان بعيد جدًا.
شعرها مبعثر، وعيناها نصف مغلقتين، لكن الضوء الذهبي ما زال خافتًا حولها.
سيران لم يتحرك.
لم يصدق.
كأن عقله يرفض التصديق بعد كل ما حدث.
ثم خطا خطوة واحدة ببطء شديد.
"إنتِ…"
رفعت ليان رأسها بصعوبة.
وعندما التقت عيناها بعينيه…
ابتسمت.
ابتسامة صغيرة مرهقة، لكنها حقيقية.
"رجعت… زي ما وعدت."
في لحظة واحدة…
انكسر كل شيء داخله.
ركض نحوها.
ولأول مرة منذ بداية القصة كلها، لم يكن أميرًا… لم يكن محاربًا… لم يكن حارسًا.
كان فقط إنسانًا خائفًا.
انحنى أمامها وأمسك كتفيها بقوة، كأنه يتأكد أنها حقيقية: "إنتِ هنا… إنتِ حقيقية…"
ليان وضعت يدها على يده المرتجفة: "أنا هنا."
لكن فجأة…
توقف.
لاحظ شيئًا.
الضوء حولها لم يكن ثابتًا.
كان يتلاشى ببطء.
اتسعت عيناه: "الجوهرة…"
نظرت ليان إلى صدرها.
لا شيء.
لا أثر للجوهرة.
فهمت فورًا.
همست: "اتكسرت علشان أرجع…"
سيران شد على أسنانه: "يعني إيه؟"
رفعت عينيها إليه، وفيها مزيج من الحزن والراحة: "يعني خلاص… انتهى كل حاجة."
الصمت عاد مرة أخرى.
لكن هذه المرة كان مختلفًا.
ليس صمت نهاية… بل بداية غير مفهومة.
فارو اقترب بحذر: "يعني كده البوابة اتقفلت؟"
ليان هزت رأسها: "أيوه… لكن كمان… مفيش طريق نرجع لبعض زي الأول."
نظرت حولها.
الغابة بدأت تستعيد لونها الحقيقي، والسماء بدأت تصفو.
العالم ينقذ نفسه.
لكن قلبها…
كان يعرف الحقيقة الأخرى.
أن هناك شيء انتهى فعلًا.
سيران وقف أمامها بصمت.
ثم قال بهدوء: "كنت فاكر إن أهم حاجة إني أحميك."
اقترب خطوة.
"بس الحقيقة… إني مقدرتش أحميك من الإحساس اللي جوايا."
ليان لم تتكلم.
قلبها كان يدق بعنف.
اقترب أكثر.
وعيناه لم تبتعدا عنها.
"أنا مش عايزك تكوني بعيدة عني تاني."
سكت لحظة…
ثم أضاف بصوت أخفض: "حتى لو العالم كله خلص."
الهواء بينهم أصبح ثقيلًا.
ليان شعرت أن كل شيء حولها اختفى.
لم يبقَ إلا هو.
رفعت يدها ببطء ولمست يده مرة أخرى.
وقالت بهدوء: "يبقى نبدأ من جديد."
ابتسم.
ابتسامة حقيقية لأول مرة بدون ألم.
لكن فجأة…
في السماء البعيدة جدًا…
ظهر وميض خافت.
كأنه… باب آخر لم يُغلق بعد.
وفارو همس بخوف: "ده مش النهاية…"
ليان رفعت رأسها ببطء.
وسيران شد قبضته.
الصمت عاد… لكن هذه المرة مع وعد.
أن القصة لم تنتهِ بعد.

وفي اللحظة التي كان فيها سيران يهمس بكلمته الأخيرة، والسماء ما زالت تلمع بذلك الوميض البعيد…
اهتز كل شيء فجأة.
صوت قوي اخترق المشهد كله:
"لييياااان!!!"
الصوت كان قريب جدًا… قريب بشكل مستحيل وسط عالم الزهرة كله.
ليان رفعت رأسها ببطء…
و…
بام.
كل المشهد اختفى.
لا غابة.
لا سيران.
لا فارو.
لا سماء وردية.
فقط سقف غرفتها.
وضوء الشمس داخل شباكها.
وقبل أن تستوعب أي شيء…
انفتح الباب بقوة.
"إنتِ لسه نايمة لحد دلوقتي؟! اتأخرت على الجامعه يا بنتي !"
دخلت والدتها بسرعة، ماسكة حذاء في إيدها، ووشها فيه نفس الانفعال المعتاد.
ليان قعدت فجأة على السرير وهي بتتلفت حواليها بصدمة: "إيه… إيه اللي حصل؟!"
أمها وقفت قدامها وحطت إيدها على وسطها: "إيه اللي حصل؟! أنا اللي بسألك! نايمة تحلمي أحلام غريبة وتصرخي نص الليل!"
ليان فتحت بقها وهي مش فاهمة: "أنا كنت… في عالم تاني… كان فيه أمير… وجوهرة… ومخلوقات…"
أمها رفعت حواجبها: "أمير إيه يا بنت العبيطه؟ ده إنتِ كنتي بتقرأي رواية قبل ما تنامي ونامتي عليها!"
ليان سكتت.
نظرت للكتاب.
نظرت لإيدها.
نظرت للغرفة.
ولا حاجة.
ابتلعت ريقها ببطء: "يعني… كله كان حلم؟"
أمها ابتسمت ابتسامة فيها مزيج بين السخرية والحنان: "حلم طويل جدًا. ويبان إنك كنتي عايشة دور البطلة لدرجة عالية أوي."
ثم اقتربت وربتت على رأسها: "يلا قومي اغسلي وشك وتعالي افطري بدل ما تقوليلي إنك كنتي بتحبي أمير من كوكب الزهرة."
ليان فتحت عينيها ببطء، ولسه مش مستوعبة.
تمتمت لنفسها: "سيران…"
أمها بصت لها: "بتقولي إيه؟"
هزت رأسها بسرعة: "ها ولا حاجة!"
لكن وهي داخلة الحمام، وقفت لحظة قدام المراية…
حست بحاجة غريبة.
لمسة خفيفة في قلبها…
إحساس دافئ كأن حد كان واقف جنبها من شوية جدًا.
لمست صدرها بهدوء.
وابتسمت ابتسامة صغيرة مش مفهومة.
"غريب… الحلم ده كان حقيقي قوي."
وفي نفس اللحظة…
في مكان بعيد جدًا لا يُرى…
كانت جوهرة زهرية صغيرة تلمع بين النجوم…
وتنادي بصوت خافت جدًا لا يسمعه إلا قلب واحد فقط........
                     تمت بحمد الله 
تعليقات