رواية من رماد اليقين كامله بقلم هاجر سلامه

رواية من رماد اليقين كامله بقلم هاجر سلامه
 كانت "تيمار" تقف أمام مرآتها، تلمس الفستان الذي اختارته بعناية لموعدها مع "سليم".

 كانت تعتقد أن الحب هو الملاذ الذي سيمحو تعب الأيام، لكنها لم تكن تعلم أن هذا المساء سيقتلع جذور كل يقين بداخلها.


وصلت إلى المكان، لكنها رأت ما لم يكن في الحسبان.


 سليم يجلس هناك، ليس بانتظارها، بل محاطاً بعائلة أخرى، والضحكات تعلو وهو يمسك يد امرأة أخرى، يلبسها دبلة تشبه تلك التي وعدها بها يوماً.لم تصرخ، بل تقدمت بخطوات ثابتة كأنها في حلم ثقيل.


 وحين رآها، لم يرمش له جفن، بل طلب منها بكل برود أن ينتظره في الخارج لـ"يوضح الأمور".خلف المطعم، تحت ضوء خافت،


 نطق سليم بالكلمات التي غيرت حياة تيمار للأبد:"

سليم ..تيمار، انتي مش المرأة الي تثير إعجابي شكلاً، أنتِ محترمة جداً، وهذا اللي خليسني أختاركِ في البداية.. كنت عايز زوجة أصونها وتصونني بعد تجارب كثيرة مع نساء لا أثق بهن. لكن 'ليلى' عادت، وهي مطلقة الآن، وقلبي لم ينبض يوماً إلا لها."


وقعت الكلمات على مسمع تيمار كالسياط. لم تكن الصدمة في خيانته، بل في تقييمه لها كـ"خيار آمن" لا كـ"حبيبة". نظرت إليه بعينين تلمعان بالدموع لكنها تأبى السقوط،


 وقالت بصوت هادئ ومخيف:"كنت تظن أنك تشتري 'أماناً' بقلبي، لكنك اليوم خسرت الشخص الوحيد الذي كان يحبك بجد مبروك عليك وهمك يا سليم، غداً ستدرك أن الجمال يذبل، لكن الندم سيبقى في قلبك طويلاً."


تركت تيمار المكان، وبداخلها قرار واحد: لن تكون ضحية بعد اليوم.


بعد تلات سنين 


كان شتاء باريس قارساً، لكن تيمار لم تعد تشعر بالبرد كما كانت في وطنها؛ فبرودة مشاعر سليم كانت أقسى من ثلوج أوروبا. كانت تعمل في صمت، تضع كل طاقتها في التصاميم، 


حتى لفتت انتباه طارق، المهندس المعماري الطموح الذي كان يراقبها من المكتب المجاور.في أحد المساءات المتأخرة، بينما كانت تيمار تلملم أغراضها للمغادرة


، اقترب طارق بهدوئه المعتاد وقال:"تيمار، تصاميمك اليوم كانت تحمل حزناً غامضاً، لكنها كانت الأجمل. لماذا تخبئين هذا الجمال خلف قناع من الجدية المفرطة؟


"ارتبكت تيمار، فقد اعتادت أن تكون "غير مرئية" جمالياً في نظر سليم،

 فأجابت بخجل:"أنا فقط أهتم بعملي يا طارق، المظاهر لا تهم كثيراً."


ابتسم طارق بعمق وردّ بكلمات اخترقت حصونها:"المظاهر تخدع البعض، لكن الروح تظهر في العيون. وأنا منذ رأيتكِ، لم أرَ امرأة بجمال روحكِ وثباتكِ. أنتِ كقطعة فنية نادرة، لا يدرك قيمتها إلا من يملك ذوقاً رفيعاً."


كان طارق مختلفاً تماماً عن سليم؛ لم يكن يبحث عن "زوجة مضمونة" ليرتاح من طيشه، بل كان يبحث عن "شريكة" تبهره بذكائها وتشاركه أحلامه.

 بدأ يتقرب منها، يأخذها في جولات بساحات باريس، يعلمها كيف ترى نفسها بعينيه.في إحدى المرات، وهما يقفان أمام لوحة في متحف اللوفر، قال لها طارق فجأة:"تيمار، أريد أن أطلب يدكِ، ليس لأني أريد زوجة محترمة فحسب، بل لأنني وقعت في غرام تفاصيلك، صمتك، قوتك، وحتى خجلك. أريد أن أكون الرجل الذي يجعلكِ تنسين أنكِ تألمتِ يوماً."هنا، أدركت تيمار الفرق الشاسع. سليم كان يراها "خطة بديلة"،


 أما طارق فيراها "جائزته الكبرى". وافقت وهي تشعر لأول مرة أنها ليست مجرد "خيار آمن"، بل هي "الحب الأول والوحيد".


عادت تيمار إلى وطنها، لكنها لم تعد تلك الفتاة المنكسرة التي غادرت المطار بدموعها؛ بل عادت "تيمار" سيدة الأعمال الأنيقة، وبجانبها طارق الذي كان يحيطها باهتمامه كأنها جوهرة ثمينة.أقيم حفل استقبال بمناسبة عودة تيمار ونجاحها في الخارج، وكان "سليم" من ضمن الحاضرين، مدفوعاً بفضوله وندمه.


 كان سليم يقف في زاوية القاعة، يراقب تيمار وهي تضحك وتتحدث بطلاقة وثقة، وبجانبها طارق الذي لم يترك يدها للحظة.


لم يتمكن سليم من كبح رغبته، فاقترب منهما بوجه شاحب، محاولاً استعادة مكانته القديمة:"تيمار.. حمد لله على السلامة. مكنتش عرف أن باريس هتغيركِ هكدا، أصبحتِ.. جميلة بشكل لا يُصدق."


نظرت إليه تيمار بنظرة باردة، خالية من العتاب أو الحنين، وقالت بهدوء:"باريس لم تغيرني يا سليم، هي بس أظهرت ما كنت أنت تعجز عن رؤيته. اسمح لي أن أعرفك، خطيبي طارق."

مدّ طارق يده بثبات، وبابتسامة واثقة قال:"تشرفنا يا سليم. لقد حكت لي تيمار عنك الكثير.. شكراً لأنك تركتها ترحل، فلولا خسارتك لها، لما كسبتُ أنا أغلى ما أملك."

شعر سليم وكأن الأرض تهتز تحت قدميه. 

طارق لم يكن مجرد رجل وسيم وناجح، بل كان يتحدث بلسان رجل يقدّر قيمة تيمار الحقيقية.

 حاول سليم أن يتمالك نفسه وقال بنبرة منكسرة:"كنتُ صغيراً، لم أفهم وقتها أن المظاهر ليست كل شيء.."

قاطعته تيمار بصوت حازم ولكن رقيق:"المشكلة لم تكن في فهمك للمظاهر يا سليم، المشكلة كانت في قلبك الذي لم يعرف كيف يحب بصدق. أنت بحثت عن 'الأمان' ولم تبحث عن 'الحب'.

 طارق أحبني حين كنت في أسوأ حالاتي، بينما أنت تركتني حين كنتُ في أمسّ الحاجة إليك.


"ثم التفتت إلى طارق بابتسامة دافئة وقالت:"هيا بنا يا طارق، الضيوف بانتظارنا."

مشت تيمار بقدّها الممشوق، تاركة سليم خلفها وحيداً، يدرك الآن تماماً أن القطار قد فاته، وأن تيمار لم تكن "محطة" في حياته، بل كانت "رحلة" لم يستحق هو أن يخوضها

                     تمت بحمد الله 

تعليقات